محنة جديدة لحرية الصحافة بمصر

محنة جديدة لحرية الصحافة بمصر

محمد بركة

عادت مرة أخرى نغمة “ هل الصحفيون على رأسهم ريشة ؟ “ تتردد مرة أخرى في الشارع المصري إثر مغالطات فاضحة و تدليس متعمد من جانب عدد من مقدمي برامج التوك شو الذين ينتمي معظمهم للأسف إلى مهنة البحث عن المتاعب بل و يحملون بطاقة عضوية نقابة الصحفيين التي تقف الآن على خط المواجهة الأول في معركتها النبيلة ضد من يريدون إعادة عقارب الزمن إلى الوراء في البلاد مستغلين رغبة الرأي العام العارمة بالتأكيد في سن قانون حاسم و شبه استثنائي لمواجهة الإرهاب .

لقد ظل إلغاء الحبس في قضايا النشر هدفا شريفا تناضل من أجله الجماعة الوطنية المصرية – بشقيها الصحفي و الحزبي – منذ بدايات عقد التسعينيات من القرن الماضي ، وحين وصلت جماعة الإخوان إلى سدة الحكم في غفلة من التاريخ ولحظة هاربة من الزمن تنافس سوداوية روايات التشيكي فرانز كافكا كان أن أهدت المصريين دستورا يكرس حبس الصحفيين الذي لا تطبقه في العالم أجمع سوى أربع أو خمس دول بالعالم على رأسها تركيا الاخوانية التي تحولت على يد مريض نفسي بجنون العظمة يدعي أردوغان إلى أكبر سجن للصحفيين على وجه الأرض قاطبة .

أسقط المصريون في ثورتهم الشعبية بالثلاثين من يونيو حكم العصابة التي وصلت إلى القصر الجمهوري و عرضت أسرار الأمن القومي في مزاد علني لمن يدفع أكثر مع منح طهران و أنقرة مزايا استثنائية ، وحين تم وضع دستور جديد للبلاد كان انجازه الأعظم يتمثل في باب الحريات العامة ومنها حرية الصحافة والتعبير و إلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر التي لم تكن تليق أبدا بمصر وتاريخها وريادتها .

وفجأة ظهر من أراد أن يقول للجماعة الصحفية المصرية – على طريقة المثل الشعبي الدارج في التعبير عن الشماتة – : دستوركم هذا تستطيعون أن تبلونه و تشربوا ماءه هنيئا مريئا ، لأنه مجرد حبر على ورق وهاهي عقوبة الحبس التي قمتم بطردها من الباب تعود إليكم من الشباك !

وبصرف النظر عن مسار الأزمة في مصر ما بين التهدئة و الحل أم التصعيد ، فإن الأمر هنا لا يتعلق بمجرد وجود مادة هنا و أخرى هناك في مشروع قانون الإرهاب المقترح تنص صراحة على الحبس أو عدة مواد أخرى تضيق الخناق على الصحفيين في تتبع مصادر المعلومات ، فكلها أمور لا يستحيل الوصول إلى صيغة وسطى فيها تكفل حرية العمل الصحفي و حق الدولة في الحفاظ على الأمن القومي أثناء شن عمليات عسكرية ضد القتلة و التكفيريين . الأزمة الأعمق تتمثل في ذهنية المشرع المصري التي لا تزال لا تكن الاحترام الكافي لحرية الصحافة والرأي و التعبير ، كما لا تكترث كثيرا بنصوص الدستور و أحكامه ، و لا تعبأ بإتاحة مصادر المعلومات التي مرة أخرى ينص الدستور عليها كحق أساسي .

هنا مربط الفرس و المعضلة الأساسية بعيدا عن الجدل العابر و الأزمات العابرة ، ولعلاج الأزمة من جذورها لابد من تغيير تلك الذهنية و رد الاعتبار إلى أحكام الوثيقة الدستورية التي صوتت عليها جموع الشعب المصري ، كما يجب سرعة إقرار قانون تداول المعلومات الكفيل بتنظيم العلاقة بين السلطات و الصحفيين ، فضلا عن أهمية سرعة وجود رواية رسمية للأحداث الساخنة تقطع الطريق على حرب الشائعات المغرضة التي تشنها مواقع و صفحات اخوانية تدعم الإرهابيين في حربهم ضد الشعب المصري .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com