عمر الشريف: عشيق الحياة المنزوع الهويّة

عمر الشريف: عشيق الحياة المنزوع الهويّة

وئام غداس

”أرغمتُ على أن أعيش حياتي كلها مثل بدويّ. فأنا الممثل الوحيد في العالم الذي لا يملك جنسية محددة لمهنته. إني مصريّ لكني لا أنجز أفلاماً مصرية، ألعب دوماً دور الغريب، لا أملك في الحقيقة جذوراً، إني غربيّ الثقافة جداً وشرقي المزاج جداً، ميلودرامي جداً، الممثلون الفرنسيون يصوّرون أفلامهم في فرنسا ويعيشون فيها معظم الأحيان. أنا أجد نفسي دائماً في أماكن مختلفة، لم أحظَ طويلاً بمرفأ اشدّ إليه مرساتي“.

لا يمكن التأكيد إن قال هذا الكلام حزيناً أو مرتاحاً، غير أن المؤكد أنه كان نموذجا للإنسان المنفلت من قيود الحياة أجمعها، أولها إشكالية الإنتماء، وصولاً لقيود الشهرة والعظمة حتى أنه كان مصرّاً أن التمثيل محض ”هبل“ وأن أي شخص عادي بإمكانه أن يحفظ جملاً ثم يلقيها بالعفوية التي كان سيقولها بها في حياته اليومية، وفي غياب إيمانه بكل شيء ومدى الأهمية التي يلقيها الناس لأشياء وأعمال، كان مؤمنا بشيء وحيد: أن يعيش الحياة!

عاش وحيداً وغريبا لكنه عاش! متنقّلاً بين المدن والبلدان، نزيل الفنادق، مفقود الإستقرار وعند قيام الثورة المصرية في 2011، أصرّ على الإنتقال إلى منطقة سميراميس القريبة من ميدان التحرير، وإستئجار شقة هناك، مدفوعاً برغبة قوية أن يكون قريبا من حراك الشعب، إلى أن انتهى ترحاله في مصحة نفسية بمدينة حلوان منذ يومين.

ترجّل فارس أحلام النساء ميشيل ديمتري شلهوب (1932 – 2015)، بعد ستة أشهر على رحيل فاتن حمامة، المرأة الوحيدة التي أحبّ في حياته والتي صرح أنه تركها لأنه أصبح مشهوراً وأصبح بإمكانه لقاء نساء رائعات كثيرات، إلى هذا الحد كان صريحاً، غير نادم، فهو لا يعرف معنى هذه الكلمة ويقول عندما سأله صحفيّ من ”باري ماتش“ حول ندمه على بعض الأدوار أو الخيارات:

”كرهتُ معظم الأفلام التي أنجزتها، لكني لست نادماً على شيء، سواء في مهنتي أو في حياتي، بل أنني لا أفهم معنى كلمة ”ندم“. أعرف أني لحظة فعلتُ ذلك كان عليّ أن أفعل، هذا كل شيء.

ثم إني لا أحبّ النظر الى الوراء، قررت منذ بضع سنوات أن أحيا اللحظة الراهنة فقط“.

وبالفعل كان همه الوحيد هو تلك اللحظة الراهنة، ظلّ شغوفاً بها وأمعن في استغلالها في أشياء يحبّ أن يفعلها وتنبع من قلبه بدءاً بالتمثيل وصولاً لهوسه بالمقامرة وسباق الخيول، النجومية لم تكن هاجسا بالنسبة إليه، بدأ سجلّه الفنيّ مع يوسف شاهين بفيلم ”صراع في الوادي“ تلاه ”صراع في الميناء“ الفيلمان يقاربان الصراعات الطبقية بين العامة والإقطاعييين، وبعد سلسلة من الأفلام الأخرى والمتنوعة نسبيا من حيث النوعية بين الخفيف التجاري والأفلام الثقيلة ذات القيمة الفنية الكبيرة، وفي عام 1962 بدأت مرحلة جديدة في مسيرة جنتل الشاشة عندما كان ديفين لين مخرج فيلم ”لورنس العرب“ يبحث عن ممثلين عرب للعمل معه في الفيلم ساعدته نقابة الفنانين المصريين بإرسال صور لممثلين ووقع إختيار المخرج على عمر الشريف، يصرّ الشريف في مقابلة لإذاعة البي بي سي التي جرت عام 1967 أن إختياره كان من قبيل الحظّ الكبير وليس شيئا آخر، تتالت بعد ذلك أدواره في افلام أجنبية لعلّ أبرزها وأهمّها عام 1965، فيلم ”دكتور جيفاغو“، والذي جسد فيه دور البطولة، ونال عنه جائزة ”غولدن غلوب“.

حياة حافلة صاخبة.. نهاية صامتة متخففة ساعدها الألزهايمر أن تكون أيضا بلا ذاكرة، والآن أيها الساحر هل بلغت مرساتك المرفأ؟ ولكن .. أي مرفأ !!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com