التفكير النقدي في مواجهة تجار الدين والمتطرفين !!

التفكير النقدي في مواجهة تجار الدين والمتطرفين  !!

عائشة سلطان

حول الحرية/ الحلم التي ظلت حلما والحريات التي يتلاعب بها الحمقى أجد أن المطالبة بقوانين رادعة امر لابد منه فليس هناك فرق بين الرصاصة التي تغتال الجسد والرصاصة التي تغتال الحرية !!

لقد كتب ابن خلدون في مقدمته الشهيرة «أن الإنسان كائن مدني بالفطرة كما هو كائن اجتماعي» ولو قدر له أن يعيش في أيامنا هذه لكتب أن الإنسان كائن عدواني، الحرب أساس بقائه وحيويته! وإن هذا التقدم التقني سيزيد الحرب فظاعة ! وانطلاقا مما نرى ونتابع علينا أن نسلم بذلك، فها هي الأيام تكشف لنا يوميا عن استراتيجيات توظيف الدين كمطية لبلوغ أهداف مشبوهة وخدمة مصالح كبرى، عن طريق التفجيرات والسيارات المفخخة والأجساد الشابة المزنرة بالديناميت واقتحام المساجد وتفجير المصلين لاثارة الفتن والفوضى في المجتمعات الآمنة، إنها البلطجة والقتل والتخريب باسم الدين للأسف !

إن هذه الظاهرة العابرة للقارات والمجتمعات تقود الى حقيقتين: الأولى هو تحول الدين إلى واحد من أوسع الأدوات والآليات استخداما وتوظيفا في شن الحروب المعاصرة وإذكاء نيرانها وإبقائها مشتعلة على الدوام، ولذلك فإن علينا أن نتوقف عن النظر بتلك القداسة السابقة التي لطالما نظرنا بها لمن يتحدث باسم الدين، كما أن علينا أن نفصل تماما بين الدين من حيث هو عقيدة وشريعة نقية منزلة من عند الله وبين من يتحدث بها، فهذا التقديس والتأليه للأشخاص أو بمعنى أدق هذه العصمة التي نمنحها للأشخاص هكذا ببساطة، وكأنهم رسل أو أنبياء، بينما هناك قول منسوب لأحد علماء المسلمين يقول فيه « كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا النبي عليه الصلاة والسلام ».

أما الحقيقة الثانية التي علينا وعلى أي منهج نقدي أن نؤكدها ونعمل على تكريسها إذا أردنا مراجعة الموروث وتنقيته مما علق فيه عبر عصور الانحطاط والكوارث الحضارية التي ألمت بالعالم الإسلامي خلال مسيرته، فهي أن التنزيه عن الخطأ واعتبار الشخص معصوماً وعلى صواب دائماً أمر يتنافى مع المنطق والطبيعة الإنسانية التي تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب، هذا الأمر ينطبق على العلماء، كما على المفكرين والفلاسفة، دون أن يقلل ذلك من احترامهم وتقدير العلم الذي يحملونه، فللعلماء والفقهاء والمفكرين احترام الاعتراف بالفضل لا احترام التسليم بالعصمة، وهناك فرق كبير بين الاثنين.

مسألة التسليم بالرأي المعصوم الذي لا يناقش ولا يراجع، تتعارض أولاً مع المنطق، وتتعارض ثانياً مع قواعد التفكير الحر والمنهج العلمي، وتتعارض قبل هذا وذاك مع أصول الدين الإسلامي الذي لم يمنح العصمة ألا للرسل فيما يبلغونه عن الله من وحي، لذلك فالعصمة والقداسة التي سقط فيها ملايين من المسلمين عبر عصور -للأسف – حيال آراء ورموز وأسماء قادتهم إلى زوايا ضيقة ووضعت الشوارع العربية اليوم في مواجهة بعضها بعضاً، فشاعت لهذا السبب ثقافة التكفير والتخوين والإخراج من الملة لأتفه خلاف ولأبسط تباين في وجهات النظر، وهو ما قادنا لهذا الواقع المزري الذي تتخبط فيه وتعاني منه الأمرين معظم المجتمعات العربية!

إن المتاجرين بالدين أو الذين يوظفون الدين لخدمة مصالحهم أو مصالح جماعات ينتمون إليها أو لخدمة مخططات كبرى عالمية أو مشروعات تخريبية أحياناً يناسبهم ويخدمهم ويسهل أمر تفشي مخططاتهم التبعية العمياء لهم، وقبل التبعية الجهل المطلق، وقبل الجهل الاستلاب وضعف الشخصية وتغييب الفكر والمنطق من قبل الاتباع والمريدين، وقبل ذلك الكفر بحرية التفكير والرأي والنقد، ولهذا فإن الذين يفجرون أنفسهم بالأحزمة الناسفة ويفخخون السيارات لقتل الأبرياء ويحشدون الطلاب في أعمال التخريب والفوضى ضد الناس والدولة والمجتمع يفعلون ذلك عن جهل وحماقة وبسبب تغييب الوعي والعقل تماما ولغلبة المصلحة والانتصار لمذهب أو حزب أو طائفة، كما فعل منذ قرون صاحب قلعة «آلموت» حسن بن الصباح الذي أسس فرقة الحشاشين التاريخية المعروفة كأشهر فرقة اغتيالات سياسية تاريخية تحت تأثير الأفيون لخدمة مصالح معروفة تحت مظلة الدين!

لو قدر لابن خلدون أن يكتب مقدمته في زماننا هذا لكتب أن الإنسان كائن مستلب دينيا ولا ينقذه سوى فهم الدين النقي وفق منهج خالص من الشوائب وصراعات المصالح.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com