إعلام الخنفشار

إعلام الخنفشار

أحمد مصطفى

لا جدال في أن مجال الصحافة والإعلام يقترب من مجال الفن في كونه تحت الضوء، وأيضا في أنه وسط مغالاة ومبالغة في أغلب الأحيان.

لكن الفن معروف بأنه انما ”يحاكي الواقع“ وبالتالي له حق الكناية الاستعارة والبلاغة والإمعان في الخيال لتصوير ”الخير والشر“ بمبالغة مفهومة باعتباره فنا.

أما الصحافة والإعلام فينقل الواقع ويتعين عليه تحري الدقة في عرض المعلومات والأخبار وأن يفصل ما بين الخبر والرأي كي يترك للمتلقي الحكم السليم على مجريات الأحداث.

إلا أن السنوات الأخيرة شهدت صحفيين و“إعلاميين“ ينافسون الفنانين في المبالغة والمغالاة، ويتمثلون دور الشعراء (الذين يتبعهم الغاوون ويقولون ما لا يفعلون) والوعاظ والفلاسفة والحكماء.

وهكذا أصبح لدينا ”نجوم“ في الصحافة والإعلام يتجاوزون نجوم الفن (بما فيه فنون الشعر والخيال المثير) شهرة ولمعانا إلى حد الاشتعال والانطفاء بضوء النجومية الحارق.

في سحور رمضاني قبل أيام، ذكرنا الزميل العزيز تركي الدخيل بحكاية قديمة كدنا ننساها، وربما لا يعرفها الجيل الجديد الذي نشأ وترعرع على استخدام غوغل وويكيبيديا.

(كان هناك رجل اشتهر بالادعاء، وعدم التورع عن أن يفتي فيما يعرف وما لا يعرف، معتمدا على أن أحدا لا يدقق فيما يقول.

ولأن أغلب متابعيه ومريديه يرون فيه ”عارفا“ قديرا فان افتراءاته تنتشر رأيا عاما مشوها في أغلب الأحيان وكارثيا في بعضها.

قرر شابان، تعلما تعليما جيدا لم يكن شائعا بين مريدي المدعي الشهير، أن ينصبا له فخا يكشفه أمام الناس ويقيهم شر ما يروجه من خزعبلات.

حضر الشابان التنويريان مجلس الرجل وحين فرغ من تخريفه وجاء دور اسئلة الجمهور سأل احدهم: ماذا تقول في الخنفشار؟ ”طبعا لا يوجد شيء اسمه هكذا“

فصمت الرجل برهة كأنه أدرك خدعة الشاب المتعلم وانطلق: الخنفشار هو نبات بري تجده في جبال تهامة ويعقد به اللبن، قال فيه الشاعر:

وقد عقدت محبتكم بقلبي … كما عقد الحليب الخنفشار

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

فقاطعه الشابان: كفى، كفى .. خشية أن يؤلف حديثا يصدقه الناس فيكونا ساهما في ذنب)

ربما يتذكر البعض تلك الحكاية، لكن سياقها في الماضي يختلف عن دلالتها الآن. فأظن أنه في وقتنا هذا يكاد قدر كبير من إعلامنا يشبه ذلك الرجل.

وبما أنه ليس هناك من يوقف هؤلاء الإعلاميين الخنفشاريين عند حدهم، فلا غرابة إن وجدنا بعضهم يفتئت ليس على الرسول الكريم حسب بل ربما على السماء وخالقها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com