حكم العسكر

حكم العسكر

موفق محادين

من الاسباب المعرفية التي تحال عليها ازمة القوى والشارع العربي سيطرة التعميم والمنطق الصوري والميكانيكي ..

ومن تجليات ذلك اخذ موقف عام من الظواهر على اطلاقها والاصطفاف معها وضدها ، دون التمعن الجدلي في طبيعتها الاجتماعية وتعبيراتها الفكرية وسياقاتها التاريخية.

ومن ذلك الموقف من حكم العسكر ، الذي لايختلف مفاهيميا عن حكم الحزب او الطبقة او المذهب ، فما من عسكر ،بالجملة وفي كل زمان ومكان بل عساكر ، من اقصى اليمين الى اقصى اليسار ، وهكذا.

ولنا ان نقول فيما يخص الجيوش في الحالة العربية ، انها تستدعي مقاربة معرفية واجتماعية قبل ان تناقش كقوة لحماية الحدود مع الخارج .

فالبعد الاجتماعي والامني الداخلي لا يقل اهمية بالنظر الى عدم انجاز ما يعرف بالثورات البرجوازية (الصناعية) ودمج المجاميع ما قبل الرأسمالية (الطائفية والقبلية والجهوية) في مجتمع مدني قومي جديد .

وبهذا المعنى شكلت الجيوش اهم ناظم مركزي اسمنتي بديلا عن الاندماج المدني الذي لم يحدث حتى الان، وليس بلا معنى ان هدم الجيوش كان شرط كل مستعمر لتفكيك الدول واخضاعها لسيطرته وبعد..

من الغريب و(المدهش) ان يدعو سياسيون من اليسار والقوميين والاسلاميين الى اسقاط حكم العسكر ، رغم ان هؤلاء السياسيين من مدرسة الانقلابات العسكرية .

ولو اخذنا مصر على سبيل المثال لتذكرنا ان حركة 23 يوليو 1952 وكانت في الاساس انقلابا عسكريا ، ضمت كل الاطياف السابقة من جمال عبد الناصر (ابو القومية العربية) الى محمد صديق وخالد محيي الدين ، واحمد حمروش(شيوعيون) الى عبد المنعم رؤوف(اخوان مسلمون .

ومع ذلك فان قسما من الناصريين والاخوان راحوا يهتفون مع (شباب6 ابريل) المدربين في مراكز الامريكان ويدعون لاسقاط حكم العسكر .

وفيما يخص (الاخوان المسلمون) الذين اقصاهم التيار القومي اليساري عن المشاركة في معظم البلدان العربية ، فهم من ارباب الانقلابات والعسكر .

وقبل الصفقة الامريكية التي سلمتهم مصر بالاتفاق مع المجلس العسكري بقيادة المشير الطنطاوي ، فقد اداروا اكثر من انقلاب عسكري في الوطن العربي والعالم الاسلامي ، من انقلاب اندونيسيا الذي قاده سوهارتو وقتل على اثره مليون مواطن هناك الى انقلاب السودان قبل ان ينقلب الاخوان على بعضهم (البشير على الترابي)

وقد ادى حكم العسكر الاخواني في السودان الى اسوأ تجربة عربية على الاطلاق كان من تداعياتها انفصال جنوب السودان وتهديد غربة بالانفصال والعودة الى مملكة دارفور القديمة، ناهيك باتهامات المعارضة لهم بالفساد وبيع القطاع العام لشركات اخوانية بابخس الاثمان ..

وحيث لا عسكر (نظاميين) اخوانيين فقد ابتدع الاخوان شكلا اخر من عسكر (القطاع الخاص) هو النظام الخاص الذي اشرف على خلايا وفرق اغتيال وميليشيات مسلحة ، على امتداد التاريخ السياسي المصري من عهد الملك فاروق الى عهود عبد الناصر والسادات ومبارك والسيسي.

كما ظهرت هذه الفرق في ليبيا والجزائر والعراق ، حيث اعدم احد رموزهم الذي يحمل اسما مشابها للبغدادي(ابراهيم السامرائي) على يد فريق البكر وصدام في السنوات الاولى من استلامهم السلطة في بغداد

اما الظهور الابرز لفرق الاغتيالات والعسكر غير الرسمي الاخواني فهو الذي شهدته سوريا وتحديدا حماه (1965) ضد حكم امين الحافظ وهو ضابط سني من الفريق البعثي الذي انتمى اليه البكر وصدام حسين.

وتكرر في عهد حافظ الاسد عن طريق ما عرف بجيش محمد بزعامة مروان حديدي الذي قاد مواجهة مسلحة معروفة مع النظام واتهم الاخوان في حينه بانهم جزء من مناخات كامب ديفيد وتهيئة المنطقة للعداون الاسرائيلي 1982 واجبار لبنان على توقيع اتفاق مماثل لكامب ديفيد هو اتفاق 17 ايار ..

وبالمجمل ، فإن ما يقرر سمعة العسكر وشرعيتهم يتجاوز الهرم الاداري والفني والتشكيلات العسكرية الى دورهم السياسي والاجتماعي في السياقات العامة ، كما هو حال محمد علي وجمال عبد الناصر في مصر وشافيز و بيرون في امريكا اللاتينية وبومدين في الجزائر واتاتورك الذي تنسب له نهضة تركيا الحديثة.

وهناك المثال اللبناني ، حيث تفوقت تجربة الجنرال فؤاد شهاب والعديد من الجنرالات في هذا البلد ، على تجربة الاحزاب والبرلمان .

بل ان دولا راسمالية كبرى قدمت للحكم جنرالات فاقوا السياسيين المدنيين في السلطة والادارة والديبلوماسية ، مثل جورج واشنطن وايزنهاور في الولايات المتحدة ، وديغول في فرنسا

ولم يقدم العدو الصهيوني حتى الان رئيسا لحكومته يفوق تجربة الجنرال اسحق رابين.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com