المقاومة بالتفاهة

المقاومة بالتفاهة

وئام غداس

“ لقد عرفنا منذ وقت طويل أنه لم يعد من الممكن أن يتغير هذا العالم، ولا إعادة تشكيله ولا تجنب الإندفاع المتهوّر نحو أخطاره، كان هناك ممكن واحد فقط هو المقاومة عبر أن لا نأخذ الأشياء على محمل الجدّ، فالوقت كله للسخرية وللتفاهة“(ميلان كونديرا/ حفلة التفاهة) أين تقف من كآبتك؟ بإعتبار أن لا أحد يخلو منها، وبإعتبارها مكوّن من مكوّنات سيكولوجية الإنسان لا يمكن بأيّ حال إنكارها، الفرق يكمن فقط في العناصر الخارجية ودورها في إخراج الكآبة أو ردمها، عدا ذلك فإستعدادنا واحد للإنجراف مع الطوفان، رغم أننا نحبّ أن نعتقد غير ذلك.

أين تقف من كآبتك؟ بإعتبار أنّك تعيش في قلب هذا العصر المأزوم، وهذا الزمن البذيء، كيف فكّرت أن تقاوم كآبتك؟ هل فكّرت؟ أنت مضطرّ أن تفعل لأنّك مستمرّ، لأنّ الحياة لن تمنحك مع وجهها القبيح فرصة الفرار، ولا غباء النعامة التي تُنهي كل شيء أمامها بمجرّد أن تدفن رأسها تحت الرمل، أنت هنا بعيون مفتوحة حتى آخرها، ترى كل شيء وتقاوم..

ترى وتقاوم، ترى وتقاوم… ليس لتنتصر، ولكن لأجل أن تبقى.

لا يفكّر الإنسان بالإنتصار على الحياة، إنه لا يهجس حتى بدخول هذه المعركة الخاسرة لسبب بسيط أنه لم يختر أن يُقذف في خضمها، “ دوماً بدا لي أنه من المرعب إرسال شخص إلى العالم من دون أن يطلب ذلك“ هكذا تقول والدة آلان، لآلان أحد أبطال رواية الكاتب التشيكي ميلان كونديرا الأخيرة ”حفلة التفاهة“، وهي تعبّر عن كرهها لفعلِ الإنجاب.

كونديرا يضعنا أمام حقيقة أن لا إنسان موجود بإرادته ويقول أن هذه هي الحقيقة الجوهرية الوحيدة بين جميع الحقائق، فهو ليس على قيد الحياة لأنه اختار ذلك كما ليس بإمكانه في المقابل أن يغادر إلا متى حان موعد موته الذي لا خيار له فيه كذلك، وحسب تعبيره ومع غياب هاتين الإرادتين فما الحياة سوى ”قتل الوقت بين الولادة والموت، الوقت الذي لا يعلمون ماذا يفعلون به“، لماذا إذن نحملها على وجه الجدّية ما دامت غير مؤسسة على أي وجه حقّ؟ من هنا يقترح كونديرا التفاهة كحلّ أمثل للمقاومة ويعتبرها جوهر الوجود، التفاهة ويقصد عدم الخوض عميقاً في تفاصيل الأشياء، التفكير المضني في المغزى والغاية، في النتائج، التحليل الممنهج، وأخذ الأحداث بحزم وثِقلٍ، كلها حمولات زائدة كل ما تفعله هو إثقال الكائن والكائن عنده – أي كونديرا – لا تُحتملُ خفّته.

عندما قال الكاتب الارلندي جون بانفيل أنّ الحياة المحسوسة التي تملكها الرويات الكبيرة تغيب بشكل شبه كليّ عن الرواية الكبيرة ”كائن لا تحتمل خفّته“، ردّت عليه جون سميث أنّها قاسم مشترك في كل أعمال ميلان كونديرا، ”كتاب الضحك والنسيان ”، ”الجهل“، ”المزحة“ .. ”حفل التفاهة“ وغيرها كلها أعمال بنيت على التهكّم والعبث والسخرية الُمرّة، كونديرا الذي يحارب التعاسة بالدعابة ويدعونا أن نفعل لأن الحياة لا تستحق في نظره أكثر من ذلك، أن نضحك وننسى، كتب : ”النشاط المستمر للنسيان يعطي لأفعالنا طابعاً شبحيّاً بخاريّاً، لا واقعيّأ (…) ماذا تغذينا في الأمس؟ ما الذي قصّه عليّ صديقي؟

ما الذي فكرت فيه قبل ثلاث ثوان؟ كلّ ذلك نُسي، وماهو أسوأ ألف مرة أنه لا يستحقّ شيئاً آخر“ .

اضحكوا وانسوا، وصفة كونديرا في الذهاب نحو التفاهة تبدو الأنجع والمآسي في هذا العالم تتفاقم، إذ ليس أسوأ من هذه الفظائع سوى أن تقتلنا بالكمد فاضربوها بالسخرية!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com