أمريكا …. علمانية أم ملحدة؟

أمريكا …. علمانية أم ملحدة؟

إميل أمين

ضمن الاسئلة العديدة دائمة التكرار ”هل أمريكا دولة مسيحية“؟ ، كان دائماً أسامة بن لادن، ومن خلفه كافة التيارات الاصولية تصف أمريكا بالدولة الصليبية، النصرانية، التي لا هم لها سوى إعلاء شأن عقيدتها الدينية في مواجهة الأديان الأخرى.

والمؤكد بلا شك هو ان الدستور الامريكي لا يتوقف عند تحديد دين معين للدولة مثل العديد من دساتير العالم ، وعليه يكون من الطبيعي القول ان الولايات المتحدة الامريكية هي دولة علمانية الهوية … هل هذه هي الحقيقة ؟

بالقطع لا، ذلك ان امريكا وان كانت علمانية الهوية الا انها دينية الهوى ، ليس هذا فحسب ، بل انها غارقة في العمق الديني، ومرد ذلك ان مهاجريها الاوائل لم يكونوا سوى بروتستانت فارين من نيران التعصب والتمذهب الطائفي في اوربا القديمة والتي كانت لا تزال تتشارع بين السياسة والدين .

كان التفكير في مبتدا الامر بالنسبة لعلم الولايات المتحدة هو تصوير شعب بني اسرائيل وهم يعبرون البحر الاحمر الى ارض الموعد في فلسطين .

ولاحقا ذهب البعض الى ان يكون علم إسرائيل عبارة عن ثلاث عشرة نجمة في اشارة الى اسباط بني اسرائيل، ولا يزال عدد النجوم هذا قائما على العملة الامريكية      ”الدولار“، ما يعني ان الروح اليهودية كامنة تحت الجلد الامريكي وهذا هو مرجع العلاقات الامريكية الاسرائيلية الحقيقي ولهذا قصة اخرى تروى.

على ان نهاية ستينات القرن المنصرم كانت تشهد ثورة دينية امريكية جديدة مغرقة في يمينيتها ، كانت امريكا موحولة في فيتنام لا تعرف كيف تخرج منها ، في حين كانت اسرائيل تستولي على اراضي العرب في ستة ايام .

في هذه الاوقات قال عتاة التيار الديني اليميني ان روح الرب قد حلت على اسرائيل من جديد ، في حين فارقت هذه الروح الامريكيين من جراء اعمالهم السيئة .

تعاظم هذا التيار في زمن رونالد ريجان وقد صور بعض عرابيه مثل ”جيري فالويل“، و“بات روبرتسون“ للرئيس الامريكي ان تحديه وتصديه لممملكة الشر المتمثلة في الاتحاد السوفيتي هو امر بمثابة تحقيق النبؤات التوراتية وتهيئة العالم لما يعرف بالملك الالفي ومن ثم المجيئ الثاني المنتظر.

ما الذي طرأ على المشهد الديني في واشنطن ودعاً الاحياء هذا الحديث؟ حكماً نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه معهد ”بيو“ في واشنطن عن الحالة الدينية الامريكية، إذ أظهرت تراجعاً واضحاً للمسحية في مقابل ازدياد نسبة اللادينين وليس الملحدين بالمطلق.

الدراسة التي نشرت نتائجها في 13 مايو أيار الماضي اشارت إلى أن 70% من الامريكيين يعرفون انفسم كمسيحيين مقابل 78% عام 2007، وقد ازدادت نسبة اللادينيين إلى 23% وهي نسبة يرجح البعض انها تفوق بعض الطوائف المسيحية الكبرى في البلاد كالكاثوليك الذين يشكلون 21%.

ماذا عن الأديان الاخرى في أمريكا علمانية الهوية دينية الهوى؟

تشير قراءة ”بيو“ الى ان الاقليات الدينية الاخرى مثل اليهودية والاسلام والهندوسية تشهد ركوداً أو إرتفاعاً طفيفاً، إذ يمثل اليهود الامريكان الأن 1.9% من السكان، في حين أرتفعت حصة الامريكان المسلمين، من 4,% إلى 9,%، أما نسبة الهندوس فقد أرتفعت من 2,% إلى 7,% من مجموع السكان… هل من أسباب موضوعية للتغير الحادث في البنية الهيكلية الدينية للولايات المتحدة الأمريكية؟

على خلاف أوربا لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تتعرض الولايات المتحدة الامريكية، لهزة علمانية عنيفة، لكن من الواضح أن فكرة بوتقة الانصهار الامريكية، والتزاوج المختلط، والاغراق في الفصل بين الديني والمدني، قد أنعكس بصورة واضحة على التماسك الديني الهووي في الداخل الامريكي.

هل يعني ذلك أن ”الدين“ بشكل عام قد أصبح عاملاً غير هام في الحياة الامريكية؟ بالقطع لا، ففي سياق الاستعداد للانتخابات الرئاسية الامريكية 2016، نجد مواقف عنصرية ضد أي مرشح غير مسيحي، بل أن 53% من الامريكيين على أختلاف أعراقهم قد أكدوا على أنهم يرفضون التصويت لصالح أي مرشح لا يؤمن بوجود الله .. هل في المشهد تناقض بين استطلاع بيو والارقام السابقة؟

من يعلم طبيعة الشعب الامريكي يدرك معنى ومبنى مصطلح ”تكافؤ الأضداد في الروح الامريكية الواحدة“، بمعنى حالة الازدواجية القاتلة التي يعيشها الامريكيون، والدليل انه فيما تناقص اعداد المسيحين ، يزداد تمسكهم بشرط العامل الديني المسيحي ووجوده في السيرة الذاتية للمرشح للرئاسة .

هل ستغير انتخابات 2016 المشهد الديني في أمريكا؟

البعض يتحدث عن دور جديد للتيارات اليمينية … غداً لناظره قريب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com