مبادرة بوتين: أي فانتازيا!

مبادرة بوتين: أي فانتازيا!

يوسف ضمرة

أدرك المسلحون في سوريا، أن إمكانية التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، أصبحت في متناول اليد، أو ضمن الاحتمالات الأخرى بالتساوي. ربما سرّعت عاصفة الحازم السعودية في هذا الأمر، من دون أن تدرك السعودية ذلك في البدايات.

الائتلاف السوري المعارض هاجم مبادرة بوتين التي طرحها على وليد المعلم، وأبدى رفضه التام لها. لكن الائتلاف نفسه يدرك جيدا أن موافقة تركيا والسعودية ـ فيما لو تمت ـ تعني أن الائتلاف قد يصبح جالية قطرية في الشتات، ليس أكثر.

كيف يطرح بوتين هذه المبادرة؟ كيف يعتقد أن في الإمكان جمع أعداء الأمس في جبهة واحدة؟ وكيف صورت له نفسه أن هنالك عوامل سياسية قد تكون أقوى من تلك التي سادت في السنوات الأربع الماضية؟ أي فانتازيا هذه! أما البعض فقد وصفها بالمعجزة.

لنتذكر جيدا أن ولي ولي العهد السعودي قد زار موسكو قبل المبادرة، وأبرم اتفاقيات اقتصادية“سمينة“ معها. والسعودية كما بات معلوما، تعتمد بشكل مطلق في سياساتها على مخزونها النفطي وقدرتها على ضخ الأموال وعقد الصفقات، لكسب ود الدول أو لمحاربتها. وكلنا يعرف أن السعودية رفضت تخفيض الإنتاج النفطي لكي تؤثر على روسيا، وتمارس ضغطا اقتصاديا بتوجيهات أمريكية وغربية.

بعد هذه الصفقات تخوف الكثيرون من أن تقوم موسكو بتحويل موقفها من سوريا، وقلنا هنا في مقالة سابقة، إن هذا غير وارد لأن العلاقات بين موسكو ودمشق علاقات استراتيجية وليست علاقات قائمة على صفقات عابرة.

لكن، لماذا فعلت السعودية ذلك مع موسكو؟ هل كانت تجهل طبيعة العلاقات الروسية السورية؟ بالتأكيد لا. ولكنها وجدت نفسها مؤخرا في مأزق كانت في غنى عنه، وهو المأزق اليمني.

لم تكن السعودية تظن أن التحالف الذي شكلته ضد اليمن، سيتضاءل ويصيبه البرود يوما بعد يوم، لتظل السعودية وحدها تقريبا في الميدان اليمني. لم تحسب السعودية حساب الحدود المشتركة بينها وبين اليمن، لأنها كانت تعتمد على قدرات الباكستان ومصر والأردن وغيرها من الدول، لتقوم بتحييد هذه الحدود وما يمكن أن ينتج عن أي صراع مسلح بينها. فجأة وجدت السعودية أن المقاتلين اليمنيين قادرون على عبور الحدود واحتلا مواقع عسكرية سعودية، بل وضرب مواقع سعودية في العمق، وهو ما لا تتحمله دولة نفطية كالسعودية، مهددة بقوة في حال اشتداد المعارك.

السعودية ذهبت إلى موسكو لكي تساعدها في الخروج من مستنقع اليمن. وموسكو تلقفت المر كهدية ثمينة. في هذه الأثناء، كانت القوات الكردية شرعت في تحديد معالم دولة كردية جديدة على طول الحدود مع تركيا، الأمر الذي تسبب في قلق تركي لم يكن موجودا من قبل. وهو ما دعا تركيا إلى التلويح بالتدخل العسكري. ولكنه تدخل محدود هذه لمرة، لا علاقة له بإسقاط سوريا أو النظام السوري، وإنما بمنع قيام دولة كردية على الحدود التركية.

وفي هذه الأثناء أيضا، أخذت الأنباء تتسرب عن تنامي عدد خلايا داعش النائمة في الأردن، وتهريب المزيد من السلاح إلى الداخل الأردني.

هذه العوامل اجتمعت معا، وتلاقت مع تمدد داعش إلى المغرب العربي ومصر وغزة، إضافة إلى تفجيرات السعودية والكويت وليون.

هل تنجح مبادرة بوتين؟ ربما نعم وربما لا. ولكن اللافت والثابت، هو أن الهجمات الأخيرة على درعا وحلب، تدخل في باب تعطيل المبادرة، من خلال السعي إلى فرض أمر ميداني على الأرض، يجعل من القوى التكفيرية المسلحة، غير مستعدة للتعاطي مع المبادرة، فيما لو تمكنت من اكتساب أراض ومواقع سورية جديدة، وفيما لو أصبحت دمشق مهددة من قبلهم كما يشتهون.لن يطول بنا الأمر لنعرف ردود أفعال كل من السعودية وتركيا، خصوصا أن الملف النووي الإيراني والمفاوضات التي تسبق التوقيع، قطعت شوطا كبيرا، وأغلب الظن أن الديمقراطيين يريدون إنهاء هذا الملف قبل الانتخابات في العام المقبل، لئلا تتفاقم الأمور على الأرض، وتتم الإطاحة بصورة أمريكا التي تكرست في الإعلام الغربي وبعض العربي؛ صورة الوسيط الأقرب للمحايد، الرافض للإرهاب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com