براءة الطفولة مع مسحراتي رمضان

براءة الطفولة مع مسحراتي رمضان

محمد الغيطي

كنّا في القرية ننتظر المسحراتي بفارغ صبر كي نسمع أسماءنا وهو يرددها اسما اسما ويدق على طبلته ونندهش كيف يمر على بيوت البلد ويطوف شوارعها وهو المسحراتي الكفيف ولايسقط منه اسم احد ،أذكرانني سالت جدي وكان شيخا كبيرا هل هذا المسحراتي قريب لكل عائلات البلد حتى انه يحفظ ويعرف أفرادها فردا فردا فضحك وقال (هوه مهنته كده واجره بياخده في العيد.

وعندما جاء العيد فوجئت بالمسحراتي الكفيف صباح الفطر يمر على البيوت ومعه صبي صغير يحمل جوالا يضع فيه مايعطيه له الأهالي من عطايا وكان يكثر من الدعاء لمن يعطيه مالا وعندما قلت له أين طبلتك ولماذا لاتقول اسمي كما كنت تفعل في السحور ضحك، وقال يامحمد السحور خلص ولاأنت عاوز تصوم في العيد ،وتركني وانا مندهش كيف يعرفني وهو كفيف النظر، كبرنا وعشنا في المدينة وفقدنا سحر القريه وأسطورة المسحراتي التي عاشت في وجداننا سنوات البراءة الاولى وليتها دامت والمسحراتي قصة طويلة من عمر الصيام في أمة الاسلام بدأت مع الصحابي الجليل بلال بن رباح الذي تبادل المهمة مع عبدالله بن مكتوم الاول كان يؤذن ليوقظ المسلمين السحور والثاني كان يؤذن ليمسكوا عن الطعام، فيما بعد ظهر مسحراتي مكة عبدالله الزمزمي الذي اخترع قنديلين متدلين بحبل طويل ويقف اعلى المئذنة ويحركها ليراها من لم يسمع الاذان.

وفي مصر ظهر اول مسحراتي عام ٢٢٨هجريا هو عنبسة ابن اسحق والذي كان يؤذن الفجر في مسجد عمرو ابن العاص وكان يمشي من مدينة العساكر حتى المسجد واخترع غناء الأناشيد اثناء سيره واستعان بما يشبه الطبلة وكان صوته جميلا فكان الناس يطلبون منه التبكير ويطلون من النوافذ يمدحون حلاوة صوته ويحكي ادوارد لين في كتابه المصريون عاداتهم وشمائلهم ان عنبسة صنع مدرسة للمسحراتية وكان يختار من لهم حلاوة الصوت وقسم الأماكن وجعل من كل منطقة واحد من اَهلها ليسحرهم وتوارث أبناؤه مهنة المسحراتية وفيما بعد اصبح المسحراتي ابن الحارة او االشارع لانه يسحر الناس مرددا اسماء ساكني البيوت فكان المسحراتي يقف امام بيوت الكبار وعلبة القوم ويذكر مناصبهم ومناصبهم ويمدحهم ليمنحوه العطايا في العيد وانتقلت هذه العادة الحواري الشعبية في مصر المحروسة.

أهل اليمن عرفوا المسحراتي بصوره اخرى فكان المسحراتية يدقون البيوت بالنبابيت والعصي لإيقاظ الناس ،وفي الشام كان المسحراتية يدقون على الطوابير والعيدان وينشدون اناشيد وأغاني في مدح الرسول ومزايا الشهر الفضيل

ويحكي المقريزي ان الحاكم احمد ابن طولون منع المسحراتية واراد بنفسه ان يسحر الصائمين ثم اختار بنفسه كبار المسحراتية وكان يختبر اصواتهم.

وفي العصر الحديث وبعد ظهور الإذاعة والتلفاز انطلقت أصوات المسحراتية عبر الصندوق السحري وبالنسبة لي لااجد حتى الان اروع من الثنائى العبقري سيد مكاوي وفؤاد حداد الذي كتب المسحراتي أواخر الستينات وظل حتى الان أيقونة رمضان الخالدة مع صوت السماء الشيخ رفعت.

يبدأ المسحراتي مكاوي /حداد بمذهب شعري عظيم الإبداع قائلا اصحى يانايم وحد الدايم ،وقول نويت بكره ان حييت ،الشهر صايم والفجر قايم ،اصحى يانايم وحد الرزاق ،المشي طاب لي ،والدق على طلبي ،ناس كانوا قبلي وقالوا في الأمثال ،الرجل تدب مطرح ماتحب ،وانا صنعتي مسحراتي ،في البلد جوال ،حبيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال ،وكل شبر وحته من بلدي حته من كبدي حته من موال ،اصحى يانايم وحد الدايم ،دي ليالي سمحة نجومها سبحة ،السعي للصوم خير من النوم اصحى يانايم يانايم اصحى ، الله يرحمك ياعم فؤاد انت والشيخ سيد مكاوي.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com