ولليمن جنيفها

ولليمن جنيفها

تاج الدين عبد الحق

 من جنيف إلى جنيف، تتعدد العناوين لكن المخرجات واحدة، فالنسخة اليمنية لن تكون أفضل حالا من سابقتها السورية، ومن قبلها الشرق أوسطية.  وبمعايير التفاؤل والتشاؤم فإن اختيار هذا المقر الدولي كمربط خيل لليمنيين القادمين من ميدان القتال أو من المنفى، لا يبدو فألا حسنا، بعد أن أصبح الفشل من متلازمات المؤتمرات العربية التي تستضيفها المدينة السويسرية العريقة.

مؤتمر جنيف اليمني يعقد، والكل يعلم أن فرص نجاحه تكاد تكون معدومة. فالأجواء مشحونة، والجبهات ساخنة، وما لم تحسمه المعارك المستمرة منذ أكثر من شهرين، لن تحسمه المفاوضات التي تحيطها الشكوك قبل أن تبدأ، وتتباعد بشأنها المواقف، والمصالح قبل أن تلتئم.

الأطراف اليمنية الذاهبة لجنيف، لا تمثل نفسها، ولو كانت كذلك لحسمت خلافاتها داخل اليمن، قبل أن تندلع الحرب وتتمدد المواجهات.

والمتفاوضون الذاهبون إلى سويسرا، إما أنهم يمثلون شرعية لا تسيطر على الأرض، أو يملكون سيطرة لا تتوفر لديها الشرعية. وتحقيق معادلة مقبولة لتقاسم الأرض والشرعية في ظل ما آلت إليه الأوضاع في اليمن السعيد أمر بالغ الصعوبة وشديد التعقيد.

 فمن يملك الشرعية لن يتنازل عن شرعيته لأنها حصنه الأخير، ومن يملك الأرض لن ينسحب منها، لأنها ورقة التفاوض الوحيدة سواء في مواجهة المجتمع الدولي، و ضغوط دول الإقليم.

مؤتمر جنيف الخاص باليمن، قد يكون في أفضل حالاته، استراحة محارب أو فاصلا بين جولتين، وهو بالنسبة للأطراف المشاركة، فرصة لالتقاط الأنفاس، ومساحة لتقطيع الوقت، بانتظار الخروج من حالة السيولة التي تعيشها المنطقة وتلقي بظلالها الكثيفة، لا على الساحة اليمنية، فقط بل على الإقليم برمته.

وكحال النزاعات الأخرى في المنطقة، فإن الخلافات التي يبحثها المتفاوضون في جنيف ليست خلافات بين الأطراف المحلية، بل خلافات إقليمية بعناوين يمنية. ومهما كانت طبيعة اللافتات التي ترفعها الأطراف المشاركة، فإن هذه اللافتات لن تكون قادرة على إخفاء الصورة الحقيقية للصراع الذي يتجاوز مداه الساحة اليمنية، ويتسع الأفق الممتد أمامه ليتشابك مع صراعات أخرى في المنطقة.

الذهاب إلى جنيف لم يكن سهلا، واحتاج إلى تحضير وإعداد طويل، وكلف الكثير من الضحايا والخسائر البشرية والمادية، لكن التنازلات التي دفعتها الأطراف للوصول إلى هناك، ليست كافية لتوقع نتائج فعلية أو تحقيق اختراقات مهمة.

فالشرعية اليمنية برئاسة عبد ربه منصور هادي والأطراف الإقليمية التي تدعمها قطعت، بعد تردد، الميل الأخير للوصول إلى حل مقبول مع المتمردين. وما تضمنته الاتفاقات الموقعة معهم، سواء بوساطة أممية، أو مساع خليجية، هي الحد الأقصى الذي يمكن القبول به والموافقة عليه.

 أما المتمردون الذين ظنوا أن انشغال الإقليم بما عرف بثورات الربيع العربي وما نشأ عنها من تداعيات، يوفر الفرصة لهم، لخلط الأوراق وإعادة ترتيب الأولويات، فقد أصبحوا فيما يبدو، أسرى لأجندة إقليمية ليست من إعدادهم أو صنعهم، فباتوا محشورين في نفق مظلم مع أزمات مستعصية أخرى.

تركيبة الوفد الحكومي الذاهب إلى جنيف، قد تكون العنصر الإيجابي الوحيد في المؤتمر إذا ترأسها نائب الرئيس ورئيس الحكومة خالد بحاح.

فرغم أن بحاح يمثل الشرعية التي يرفضها المتمردون، إلا أنه كان شخصية توافقية قبل به المتمردون، كرئيس للحكومة قبل بدء المواجهات الأخيرة، صحيح أن الوضع الميداني تبدل كثيرا، وما كان مقبولا بالأمس لم يعد مقبولا اليوم، إلا ان إرسال بحاح للمؤتمر يعكس رغبة الشرعية اليمنية بقطع الطريق أمام مناورات الطرف الآخر، ويدفعه إلى التركيز على جوهر الأزمة لا شكلياتها.

ورغم الفرص المحدودة التي يملكها مؤتمر جنيف اليمني، ورغم تباعد المواقف، وتشابك المصالح التي تعكسها الأجندات الأساسية المعلنة للأطراف المشاركة في المؤتمر، فإن مسار المفاوضات، وما قد يتسرب عنها من معلومات، قد يشكل عامل ضغط على المتحاربين في الميدان.

 فالمعاناة التي يعيشها اليمنيون اليوم خاصة مع حلول شهر رمضان المبارك، ستكون ماثلة على طاولة المفاوضات. وسيكون كل فريق حريصا على إبقاء شعرة معاوية لتجنب تحمل وزر الفشل وتبعات الإخفاق، على أن هذا الضغط الأخلاقي على أهميته قد لا يكون كافيا لتحقيق نتائج نهائية، وأقصى ما يمكن أن يصل إليه تهدئة أوهدنة تبقي خيار المفاوضات قائما حتى لو ظل الطريق لتحقيق نتائج حقيقية مسدودا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com