رجوع بارد على الأعقاب

رجوع بارد على الأعقاب

وئام غداس

قبل فترة صدر حكم من محكمة هندية على امرأة متهمة بصبّ الوقود على جسد زوجها وإضرام النار فيه أثناء نومه، ماذا تفعل امرأة مصابة بالعشق وزوجها يخبرها بقراره تطليقها من أجل الزواج بامرأة أخرى يُحبّها، لكن مهلاً هل قال أنّه يحبّها؟ متى تخلّص من قصة حبّه الأولى، وكيف بإمكان امرأة التكهّن بذلك، أما الأهمّ فما السبيل لاستيعاب ذلك، تفهّمه والتعامل معه بهدوء و “ تحضّر “ ؟

قلتُ تحضّر لأن هنالك من لن يرى في سلوك هذه المرأة الهندية سوى كثير من التخلّف والإجرام، بينما حكمت عليها المحكمة بعشرة سنوات سجن فقط ، وقد أثار قرار المحكمة هذا استغراب ولا سيما حفيظة الكثيرين في المجتمع الهندي والعالمي ممن بلغه الخبر الذي انتشر بسرعة داخل مواقع الأنترنيت، غير أن المحكمة بررت حُكمها، وأنها راعت أقصى ظروف التخفيف لأنّ الحادثة كانت جريمة قتل: بدافع الحبّ!!

لنتفق أوّلاً أن الجرائم كانت ولا تزال وسوف تبقى إلى الأبد سلوكاً مرفوضاً بل أنّه سلوك لا يحتمل التبرير، وحجم الأذى مهما بلغ لا يجب مقابلته بأذى آخر، وإلّا استحالت حياة البشر، رغم ذلك من يضع نفسه في مكان القاتل؟

لهذا تحديداً فرحت لسماع مبرّر المحكمة الهندية، لأن قرار الرأفة هذا كان مبنيا بالأساس على تبادل الأدوار، وهو اعتراف واضح من طرفها أنها على دراية تامة بدوافع الحبّ، وأن القانون الذي لا يشعر يُطبّقه بشر يشعرون، وتحقيق العدالة لم ينبع دائما من التطبيق الأعمى للقوانين، المعالجة القانونية ليست رياضيات، فالعدالة تعني أيضاً كثيراً من الشعور بالآخر.

لكنّنا اليوم نعيش زمن ”فندق الطلاق“، كم يبدو من الصعوبة بمكان استيعاب أنّ الحبّ شطط وأنّه تطرّف أيضاً، وأنّ إنهاء علاقة زوجية بسنواتها وتفاصيلها هي من أصعب الاختبارات الحياتية التي من الممكن أن يمرّ بها شخص، كيف السبيل إذن إلى تخطّي هزّة مماثلة خلال إجازة أسبوعية نقضيها في فندق الطلاق، بسهولة بالغة، قليل من الإجراءات الروتينية وينتهي الأمر، هل هذا حلّ عمليّ فعلاً، أم برود مقزّز وصلت إليه المشاعر في بلاد الغرب؟

لمن لم يسمع بفندق الطلاق فهو عبارة عن شركة هولندية تقع في نيوفاخن إحدى مدن جنوب وسط هولندا، تتعاون مع ستة فنادق أخرى منتشرة بأنحاء مختلفة من هولندا، ولسخرية القدر فقد تمّ افتتاحه يوم عيد الحبّ عام 2011، ويتميز بما يوفره من رفاهية و إمكانات ومرافق لغرض تسهيل عملية الطلاق في أفضل الظروف، النفسية والإجرائية، فإضافة لكونه فندق بخمسة نجوم يتوفر على أعلى مستويات الفخامة، فإنّ له طاقماً مؤلفا من أخصّاء نفسيين ومحامين ومرشدين اجتماعيين، كلّ هذا لتمضى عملية الانفصال بسلاسة الزيت فوق الماء، هنا حيث يدخل الأزواج كثنائيّ ويخرجان كأنّ شيئا بينهما لم يكن، كلّ هذا في غضون يومين فقط (عطلة نهاية الأسبوع)، الرئيس التنفيذي للشركة جيم هالفينز يؤكد أن النجاح مضمون بنسبة 100 بالمائة وجدير بالذكر أنّ فندق الطلاق أكمل حتى الآن ما يزيد عن 100 حالة طلاق.

تجربة متحضّرة للغاية، لكنّها باردة، لا يمكن سوى تشجيع السّلم والوقوف بصفّه، لكن على هذا النحو فما أشبه البشر بالآلة، ضغطة زرّ ونخرج من التجربة سعداء، في احد التعليقات يقول أحد المعجبين بالتجربة ”أنّ الواحد اشتهى بفضلهم الطلاق“، هذه الجملة بحدّ ذاتها تعبّر عن مدى ما أفرزت دول العالم الأول من تشجيع على الاستسهال في الأخذ بالقضايا المصيرية.

هل أنا منحازة للهنديّة؟، طبعاً لا .. لكنّني أصدّقها وأحترم مشاعرها – الهمجيّة- أكثر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com