العرب في أوروبا: مشاهد و صدمات

العرب في أوروبا: مشاهد و صدمات

غادة خليل

كانت الاسرة مكونة من أم شابة ترتدي الحجاب وتتميز بالطاقة والمرح، وأب يلوذ بالصمت طوال الوقت، وجد ملتح تعلو شفتيه ابتسامة غامضة، وجدة فاضلة تعلم عن الأبناء ربما أكثر مما تعرفه والدتهم، فضلا عن ثلاثة أطفال أكبرهم طفلة لا تتجاوز الثانية عشر من العمر.

قررت العائلة السفر الى أوروبا في عطلة نهاية العام الدراسي، خاصة وان نتائج الأطفال في دراستهم فاقت التوقعات.

وفي محطة القطارات المركزية في مدريد جاءت الصدمة. فتاتان في العشرين من العمر مندمجتان في مشهد غرامي حميم، رأت الطفلة الكبرى المشهد، فظلت تصرخ من فرط الانفعال:

ما هذا؟!

ماذا كانتا تفعلان بالضبط؟!

هل يعنى هذا أنهما يمكن أن تتزوجا؟!

حاولت الأسرة محاصرة حالة الصدمة التي انتابت طفلتها. كان موقفا غاية في الصعوبة، فالمبررات لا تجدي نفعا، والتوضيحات تبدو بلا فاعلية والارتباك سيد الموقف.

المشهد الآخر كان مختلفا، أب وأم عربيان يعيشان منذ فترة ليست بالقليلة في احدى الدول الاوروبية، يفاجآن كل صباح أن ابنهما لا يرغب الذهاب الى المدرسة وينخرط في البكاء كلما ضغطا عليه.

وبعد عدة أيام يظهر أن سبب عزوفه المفاجئ عن الذهاب الى الفصل الدراسي يعود الى ان احد زملائه الإسبان رفض الجلوس الى جواره بالمقعد، معللا ذلك بأنه لا يريد الجلوس الى جانب ولد مغربي !

كان الهدوء عنوانا للحل. انفرد الوالدان بطفلهما في حوار مغلق حول حالات التعصب والغيرة بين الأطفال وحدود الندية والاختلاف، وانتهى الامر بزيارة الى المدرسة وعقد مصالحة بين الطفلين.

النموذجان السابقان يتكرران بشكل يمكن وصفه بـ”الدائم” سواء بين ابناء الجاليات العربية التي تعيش في دول غربية أو حتى بين زائري تلك الدول. احيانا يكون تدخل الأهل متزنا ومتحضرا مما يترك درسا هاما لهؤلاء الابناء، لكن من المؤسف انه في احيان كثيرة اخرى يبدو الأمر أكثر تعقيدا مما هو عليه في الواقع.

في المقابل، نجد اخرون ممن ينادون بالذوبان في الحضارات الاخرى تحت مسمى “ التحضر”، بل ويصل الأمر احيانا الى درجة الانسحاق تحت عجلات الحضارة الغربية ، ولكن، هل حياة الإنسان الغربي هي النموذج الذي يستحق أن نجاهر بتقليده؟

مما لا شك فيه، فإن الحضارة الغربية بها الكثير من المحاسن والإيجابيات، كما وفيها من السلبيات ما يجب أن يفر منه كل عاقل، فما لا يدرك كله لا يترك كله.

لقد احتك أجدادنا الأوائل بحضارات عديدة مثل الفارسية والرومانية والإغريقية احتكاكا قويا ومباشرا، ومع ذلك لم ينهزموا، بل ظلوا ثابتين على عقائدهم وأخلاقهم دون أن يسلب بريق هذه الحضارات عقولهم أو يجعلهم يتخلون عن هويتهم يوما ما.

اولادنا أمانة في اعناقنا وعلينا التعامل الذكي مع المواقف الطارئة، لأن تلك المواقف لن تذهب من ذاكره الاطفال، وكلما تركناهم يواجهونها وحدهم يزداد أثرها السلبي بداخلهم على المدى القريب والبعيد.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع