الشوب من المهفة حتى المكيف

الشوب من المهفة حتى المكيف

حافظ البرغوثي

بدت موجة الحر الشديدة في هذا الوقت بالذات غريبة في كثير من البلدان لأن توقيت الحر الشديد يكون عادة في اوج فصل الصيف. وقد ارتفعت درجة الحرارة بطريقة غريبة في شهر ايار خاصة في دول البحر المتوسط حيث تجاوزت منتصف الاربعينيات. وفي بلاد اخرى كالهند اسفرت موجة الحر عن وفاة قرابة الفي شخص.

ولعل موجة الحر اعادت الاعتبار للمروحة اليدوية التي عرفت قديما في الصحراء وفي بلاد الصين قبل الميلاد اما في الصحاري العربية فعرفها الناس بالمهفة وكانت تصنع من سعف النخيل، واستخدمت المهفة في مصر الفرعونية حيث استخدمها الفراعنة للتهوية او لطرد الحشرات الطائرة عن الوجه لكنها اكتسبت رونقا عندما تفنن الصينيون في زخرفتها وصناعتها من الريش والعاج والابنوس والحريرمع زخارف جذبت النساء حتى باتت في يد كل سيدة ونقلها الاستعمار الى اوروبا وصارت موضة نسائية في كثير من البلاد.

وكان الرومان والاغريق يبردون طعامهم ومشروباتهم بالثلج وكانوا يرسلون العبيد الى قمم الجبال لجلب الثلوج وتخزينها في سراديب مبطنة بالاخشاف واوراق الشجر. وكان الاسكندر المقدوني يسقي قادته نبيذا مبردا بالثلج. ومع ظهور مصانع الثلج الاصطناعي في المانيا والولايات المتحدة تراجع استخدام الثلج الطبيعي. ومع ظهور الكهرباء ظهرت المراوح الكهربائية ثم المكيفات بالماء ثم الهواء.

عموما من اعتاد على بيئة حارة يمكنه تحمل الحر الشديد اذ ان البدو في الصحراء يتدثرون حتى في الصيف بما يتدثرون به في الشتاء ويقولون ما يدفئك يبردك ايضا.

كان الامبراطور المغولي جهانكير والد شاه جهان بنى لنفسه في قصر الحكم في مدينة اغرا غرفة نوم جدرانها سميكة ومفرغة حيث يجري ملء الجدران بالماء البارد من نهر قريب لتبريدها في ايام الحر.. وجاء ابنه شاه جيهان فاضاف ابداعات عمرانية متصلة لما بناه والده ولكن ليس بالحجر الاحمر بل بالرخام الابيض.. وكان الخلفاء في الاندلس وبغداد ودمشق يلجأون الى النوافير لتبريد جلساتهم واعتمدوا على عبيد يحركون مهفات كبيرة فوق رؤوسهم اثناء الحر.

عندما كنا صغارا لم نكن نشعر بالحر.. وننام في الصيف على البيدر بلا اغطية فوق المحاصيل من الكرسنة والشعير والقمح.. واحيانا ننام على اسطح المنازل وهي رياضة عقلية روحية لانك عندما تستلقي تنظر الى السماء وتكتشف كثافة النجوم والكواكب متراصة فوقك فتشعر بالاقتراب من الخالق. وعندما سمعنا عن اختراع المروحة الكهربائية احتسبناها ترفا للاغنياء فقط.. ولما جربناها شعرنا بالراحة ولما كانت تتوقف نصاب بخيبة امل ونتساءئل كيف كنا ننام بلا مروحة؟ ولما وصلنا المكيف المائي ازددنا فرحا به.. ولما كان يتعطل نشعر بالبؤس ونستصغر المروحة.. ولما وصلنا المكيف الحديث صار مجرد عطل فيه يصيبنا بحالة اكتئاب ونتساءل كيف كنا نعيش بلا مكيف؟

يروى عن حاكم خليجي رحل في مطلع الستينيات انه كان يرفض التكييف وحتى المراوح.. وكان يحبذ النوم بدون تكييف فهو اصر ان يمارس حياته كما كانت قبل هذه الاختراعات،لذلك لم يتأثر بأي منغصات من انقطاع الكهرباء او غيره وظل بدويا غير مرفه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com