في رواية رشيد الضعيف“هرّة سيكيريدا“: أين الهرّة؟

في رواية رشيد الضعيف“هرّة سيكيريدا“: أين الهرّة؟

وئام غداس

ستمشي فصولاً داخل الرواية مقتفياً أثر الهرّة لكنّك لن تجدها إلاّ في صفحتين اثنتين، بشكل عابر جدا، حيث تحاول الهرة دخول بيت أديبة مخدومة سيكيريدا، وفي الوقت الذي ترغب الخادمة مساعدة الهرة وتخليصها من تشردها، ترفض سيدة البيت دخول هرة إلى بيتها، لكن الهرة لا تيأس وتحاول مرات ومرات حتى تقتنع السيدة في النهاية أن تضمّها إلى أفراد عائلتها، ثم ينتهي دور هرّة سيكيريدا، لماذا اذن إختار الضعيف أن تحمل عنوان روايته؟

لوهلة سيبدو لك إسم الرواية بلا صلة مع أحداثها، وقد يتهيّأ لك أن العلاقة بين العنوان والمضمون هشّة بل وحتى منقطعة، لكن ومع إتضاح معالم الرواية ومضيّ الأحداث فيها قُدماً، وأنت تتعرّف على مجموعة أبطالها، حياتهم، شخصياتهم وسِيرهم ستفهم لماذا هرّة سيكيريدا، وأيّ رمز حمله هذا الإسم لحيوان أليف،  ضعيف، مشرّد يبحث عن الملجأ والأمان، فالضعف والضياع هما سِمتا كل شخصيات هذه الرواية.

سيكيريدا خادمة أثيوبية، تقودها الظروف القاسية من اليمن أين كانت تعمل إلى لبنان محطّتها الأخيرة، يُشرّح من خلالها الضعيف واقعاً مأزوماً تعيشه الخادمات الأجنبيات في المنطقة العربية، إلّا أن طيبة مخدومتها أديبة وإحتضانها لها يكسر الصورة التقليدية لعلاقة الخادم والمخدوم والتي تكون في أغلب الحالات علاقة عمودية وباردة بل ومتوترّة أحيانا، وهو ما قوّضته تماما معاملة أديبة لسيكيريدا، أديبة العجوز الوحيدة بعد وفاة زوجها وسفر أبنائها إلى الخارج، تحتضن خادمتها وتغفر خطيئة حملها خارج إطار قانوني، تتمسك بإبقائها إلى جانبها رغم إصرار إخوتها على ترحيلها إلى بلدها، لكن أديبة لا تغفر لسيكيريدا فقط بل وتربّي مولودها رضوان وتكون له أمّاً حقيقية، تحرص أن يتعلّم ويشتغل، ويعيش في ظروف نفسية جيدة محاطاً بحنانها وأمومتها.

رضوان الذي يسقط في نفس خطأ سيكيريدا عندما يمارس الجنس مع ”أمل“ الفتاة المشلولة ومن ثم تحمل منه، طفل آخر بلا أب، هنا تتدخل أيضا أديبة وتعقد قران أمل على رضوان بوصايتها عليه، أديبة التي تجد المخارج لكلّ المشكلات يساعدها في ذلك الشيخ قاسم حيث يقدم فتوى ملائمة لكلّ موقف، يتجرّأ الضعيف هنا على الإقتراب من المقاربة الدينية للمسائل الأخلاقية، فتتحول تماما صورة المعالجة الدينية النمطية المتشددة من خلال ما نلمسه من لين في تعامل الشيخ قاسم مع كل مشكلة تواجهها أديبة وتطلب فيها منه مخرجا دينيا ملائماً.

يوظّف الضعيف في روايته الأخيرة عددا من الشخصيات التعيسة، والتي تشترك جميعا في ذات المسلك القاسي من الحياة، يُخرج كعادته في كل رواياته الضعف الإنسانيّ إلى السطح وما تقابله من ردود فعل في مجتمع عربيّ محافظ محكوم بالمظاهر وبقوالب جاهزة وضعها لتعريف الأخلاق، يكون الجنس في حياة المرأة سلكاً محوريا في الخط الروائي ومنه تتفرّع أسلاك أخرى، بين أديبة التي تراه شيئا مقدّسا يرتبط رباطا وثيقا بمفهوم الحلال ومشاعر الحميمية وسيكيريدا التي لا ترى فيه أكثر من نشاط حيوي ضروري كالأكل والشراب، وأمل المشلولة التي عاشته كسبيل لتحقيق الحياة وتعويضا عن نقصها الخِلقي الذي ولدت به.

هناك طرح مغاير لا يخلو من جرأة لقضايا الجنس والخطيئة والحلال والحرام يقف فيها الضعيف دائما وبشكل كليّ في صفّ أبطاله الخاطئين، بلغة أشبه بالحكاية الشعبية، ونص بسيط متخلّص من عُقدِ البلاغة واللغة الأدبية الفخمة، تتدخّل فيه أحيانا عبارات عامية، يجدّد الضعيف خطابه بأن البشريّ قابل دائما لأن نعذره لأنه مبنيّ منذ الأزل على ثنائية الصواب والخطأ، بما لا يمنح أحداً سلطة الحكم على أحد.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة