الفقر حين يكون موضة

الفقر حين يكون موضة

المصدر: تاج الدين عبد الحق

عشنا وشفنا، الفقر موضة.  موضة مكلفة، تتبارى بيوت الأزياء العريقة في إطلاق نماذج مختلفة منها، وتدفع الملايين للترويج لها وتسويقها، وتقام عشرات المهرجانات والعروض الخاصة بها.

ومن أدرك ”زمن الفقر الجميل“، الذي لم تتغول فيه الموضة، إلى هذا الحد، لابد أنه يندب حظه على تلك الأيام التي كانت فيها الثياب الممزقة أو القمصان ”المخزقة“ تعبيرا عن الفقر وضيق الحال، لا عن الجاه وكثرة المال، كما هو الحال هذه الأيام، ليصبح ما كان مفروضا على الفقير في ذلك الزمان، صعب المنال، حتى على ميسوري الحال.

فعلى قاعدة ”رزق الهبل على المجانين“، يوازي سعر جينز بالٍ، مليء بالشقوق والرتوق، أو جاكيت مقطوع أكل عليه الدهر وشرب، سعر بدلة من بدل أيام زمان ذات القطع الثلاث، أو فستان سهرة من تلك الفساتين التي لم نكن نراها إلا في الأفلام أو المناسبات.

 والغريب أنه كلما زادت مساحة الأجزاء البالية أو الممزقة في الثياب كلما زاد ثمنها وزادت أعداد المقبلين على شرائها والساعين لاقتنائها. والتباهي، والمفاخرة بها.

أصل هذه الموضة، فيما أظن أمريكي، كحال الكثير من المنتجات ومظاهر السلوك الأمريكية التي انتشرت انتشار النار في الهشيم، وأعادت صياغة شكل الحياة في العالم.

ويبدو أنها كانت في الأصل محاولة للانعتاق من ضغط تقلبات الموضة والعودة إلى حياة البساطة، قبل أن تمتد لها يد التجار ورجال الأعمال، ويد الشطارة، والفهلوة، في كل مكان في المعمورة لتحولها إلى سلعة تدر المليارات على مطلقيها، وتحمل أعباء باهظة لمستهلكيها.

 وقد ساهمت السينما وتحديدا السينما الأمريكية في إطلاق هذه الموجة من الأزياء، بسرعة فاقت السرعة التي انتشر فيها الفاست فوود من الهمبرجر ومشتقاته، ومن التشيكن وتنوعاته والبيتزا ومذاقاتها.

 كانت البداية، إقبال من الشباب على شراء سراويل الكاو بوي أو المعروفة بالجينز هذه الأيام كتعبير عن إعجاب الشباب، بالممثلين أبطال الأعمال السينمائية التي أرّخت لحرب الإبادة التي تعرض لها سكان القارة الامريكية الأصليون من الهنود الحمر، على يد المهاجرين الأوائل من المغامرين الأوروبيين.

ورغم ما لحق بالهنود الحمر من ظلم ما زال ذكره حاضرا إلى اليوم، إلا أن الناس اعتبرت راعي البقر “ الكاو بوي “ هو الخيِّر والشهم والشجاع الذي تجدر محاكاته وتقليده، فيما أعتبر الضحية الحقيقي من السكان الأصليين الرجل الشرير الذي يستحق الموت والفناء.

بهذا التصنيف الظالم تعلق الناس بالكاوبوى، وفتنوا ببنطال الجينز الكالح الذي كان يرتديه راعي البقر الشهم القوي القادر على الانتصار على أعدائه.

لكن الجينز الذي بات أحد علامات العولمة، طيبة الذكر ومن بين تجلياتها الواضحة لم يظل حبيس فئة الشباب والفتيان المعجبين بالبطولات السينمائية، إذ سرعان ما غزا هذا اللباس الأسواق في البداية بصورة مختلفة عما هو اليوم.  لم يكن رثا ولم يكن ممزقا، كان في الواقع بديلا عن الكاكي، الذي كان مفروضا على الشباب، حين كان للمؤسسة العسكرية في معظم الدول العربية حضور طاغٍ في مختلف أوجه حياتنا الاقتصادية والاجتماعية.

فكان الجينز وصفة اقتصادية، أنقذت شريحة واسعة من أنياب الحرمان، ومكنتهم من أن يأخذوا مكانهم رأسا برأس مع الأغنياء والميسورين. وذلك قبل أن تتغول عليه الموضة من جديد، ليصبح له علامات تبين خيط الغنى الأبيض من خيط الفقر الأسود.

وإلى أن يثبت العكس فإن الجينز سيظل مسيطرا لعقود عديدة، لا بسبب سعره الرخيص فحسب، بل لسعة انتشاره، وتنوع مريديه، بحيث لم يعد محصورا بفئة أو بجنس، أوحتى عمر معين.

فبات لباسا مفضلا للجميع حتى لبعض سياسيي هذه الأيام، التي تشهد توزير شاب في العشرين، وتنصيب رئيس للحكومة لمن هو في مستهل الأربعين.

ويبدو أن انتشار الجينز إلى هذا الحد سيقلب العديد من المفاهيم الاجتماعية، التي كانت تعتبر المظهر تعبيرا عن الجوهر، وتفرض على الموظفين تقاليد لباس صارمة تجعل الواحد منهم أقرب ”للمانيكان ”، وقد بدأت ارهاصات هذا التحول في محطات التلفزيون التي تحلل مذيعوها ومذيعاتها من التقاليد التي كانت مفروضة على لباسهم وبات ما يلبسونه وقت ظهورهم على الشاشات مماثلا لما يلبسونه في الأسواق والمقاهي أو حتى في غرف النوم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة