امسحيها فيّ!

امسحيها فيّ!

وئام غداس

لا أتذكّر عنوان الكتاب، كان إحدى مجموعات يوسف السباعي القصصية، لكن القصة التي سأحكيها الآن كان عنوانها: “زوجة بارّة”-على الأرجح-، القصة كانت عن رجل أحبّ طيلة حياته ابنة عمّه، وأحبّته، العائلتان لم تكونا على وفاق، وعندما كبرا رفض الأهل أن يتزوجا، قررت ابنة العمّ أن لا تتزوج أبداً، أما هو فقد تزوج، الزوجة لم تكن تعلم شيئا عن قصة زوجها الأولى، لكنها بعد سنين وجدت بالصدفة في أوراق الزوج رسائل كثيرة، منها ما تعود تواريخها إلى الماضي البعيد ومنها ما كتبه منذ أيام فقط، الرسائل لم تكن للإرسال كانت فقط وسيلة من وسائل الزوج للتفريغ، حبّه الأول مازال يصول ويجول في فراغ روحه، فهمت كل القصة من أولها وحتى ذلك اليوم، تحدّثا وانتهي الموضوع عند ذاك الحدّ، بعد سنوات يصلهم أن ابنة العم التي أصبحت تعيش وحيدة بعد موت الأبوين وانصراف الإخوة كلّ إلى حياته، بلغهم أنها مصابة بمرض خطير وان أياما قليلة باتت تفصلها عن الموت، حزمت الزوجة حقيبة زوجها وطلبت منه جادّة أن يذهب ليعيش قرب حبيبته حتى تموت، أيام قليلة من السعادة وماتت المرأة المريضة مبتسمة، قريرة العين بين يدي حبيبها، ماتت مشدّدة على حبيبها أن يعطي رسالة استطاعت أن تكتبها لزوجته، وقال هو أن زوجته استطاعت أن ترأب صدعاً في قلبه خاله أبديا.

**

صديقتي الشاعرة أحبّت رجلاً متزوجاً، ولما تركها قامت بمحاولة انتحار، كانت أياما عصيبة جدا، أنقذها الأطباء من الموت لكنهم قرروا احتجازها داخل المصحة، لأنها

ببساطة لم تتخلّ عن الرغبة في الموت، قررتُ أنا الانتقام، عليّ أن أقول أني كنت واقعة تحت تأثير الحزن والألم الكبيرين، بحثت عن الزوجة، ويوم قابلتها رويت لها كلّ

الحكاية من الألف إلى الياء، الياء أي تلك التي ترقد في مصحة نفسية بلا ذنب سوى أنّها أحبّت، لم تعلّق سوى بجملة واحدة: “أرجوكِ خُذيني إليها”.

وقفت أمامها مرتبكة، صديقتي كانت تعرف وجهها من خلال بعض الصور لذلك لُجمت، بعد لحظات من الصمت قالت السيدة:

“لكنّكِ جميلة! وفوق ذلك شاعرة؟ ثم أتعرفين؟ أنت صادقة جدا لذلك أنا الآن هنا ..

أيّ امرأة تفكّر اليوم أن تموت من أجل رجل أحبّته؟ (تبتسم وتضيف): والله لو أنه قرر تركي من أجلك ما فكرت دقيقة أن أنتحر! من أجل كل هذا أنا واثقة أنه أحبّك، لكن

ضعي نفسكِ في مكانه هناك عشرون سنة من الزواج وأربعة أطفال يحتاجون كلّ يوم لوجوده، لو لم يحبّك ربما ما كان ليفكّر بالهروب، لكنه رغم ذلك هرب، أتفهّم

ذلك جيدا، كلنا نطلب ممن نحبّ أن يكون الأشجع، الخذلان أمر فظيع لكن أفظع منه أن لا نعرف كيف نواجهه “، تنفجر صديقتي باكية فتهرع المرأة إليها وتعانقها

مردّدة: ” أنا آسفة، آسفة، امسحيها فيّ أرجوكِ”.

بدت كلّ الحياة ضئيلة على نحو مرعب!

**

لا أعرف كم واحداً منكم استخلص الدرس، وكم واحداً لم يعثر عليه، لكن ما يمكنني تأكيده أنني لست هنا لأفعل ذلك، أنا آخر من بإمكانه أن يفعل، حتى أنني أظن أن لا أحد بإمكانه أن يفعل، الحياة فقط من تعطي الدروس، الطبيعة البشرية أعقد مما نتخيل، غير أنّ احترام مشاعر الآخر ممرّ إجباريّ للعيش بأمان، والإنسانية سهلة وقريبة مثلما لا تشترط الأنانية المرضية، كن إنساناً فحسب بعيدا عن رهاب الخسران، على الأقل حدثني عن الموت كيف ستخضعه لقوانين تغوّلك على أحبّائك الذين تعدّهم –واهماً- ملكية شخصية؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع