فلسطين .. اعتراف فاتيكاني وانزعاج إسرائيلي

فلسطين .. اعتراف فاتيكاني وانزعاج إسرائيلي

إميل امين

مرة جديدة هي المائة بعد الاولى رمزيا تزلزل فيها حاضرة الفاتيكان الارض من تحت اقدام سلطة الاحتلال في اسرائيل وذلك بعد الاعتراف الرسمي من قبل الكرسي الرسولي بفلسطين كدولة مستقلة تقوم على التراب الفلسطيني المستقل .

ياتي الاعتراف الفاتيكاني في وقت تتهاوى فيه قلاع الدبلوماسية الاسرائيلية وينفض من حولها اولئك الذين دعموها طويلا ظالمة ابدا غير مظلومة البتة ، ما يستدعي علامة استفهام رئيسة حول تبعات واستحقاقات مثل هذا الاعتراف .

يعن لنا قبل الجواب ان نشير الى بعض المشاهد التاريخية في سياق العلاقة بين الفاتيكان ودولة اسرائيل ، اذ هي علاقة مزعجة لليهود كل الازعاج منذ ان رفضت البابوية في عهد البابا بيوس الخامس عشر طلب تيودور هيرتزل اقامة دولة اسرائيلية على الاراضي الفلسطينية ، ولم ينس يهود العالم الامر للكاثوليك .

على ان دولة اسرائيل قامت بسبب الاختراقات الفكرية اليهودية للمسيحية البروتستانتية في القرن السادس عشر ، بعدما اقنع نفر منهم مارتن لوثر بما اطلق عليه الحقوق التاريخية للشعب العبراني في ارض فلسطين ، ومنذ تلك الساعة وجد هناك من يروج لمثل هذا المشروع الاحتلالي ، وقد نادى به مبكرا نابليون بونابرات وصولا الى وعد بلفور .

لم يعترف الفاتيكان باسرائيل وبقي الامر يشكل مرارة تاريخية للدولة العبرية وحاولت اسرائيل جاهدة ان تقدم خدماتها الاستخبارية الى الفاتيكان لا سيما في زمن جولدامائير ، فتارة يتحدث البعض مثل المؤلف الانجليزي “ توماس جوردن “ في كتابه “ جواسيس جدعون “ عن انقاذ الموساد للبابا بولس السادس في اوائل سبعينات القرن الماضي من الاغتيال ، وتارة اخرة يذهب البعض الى ان الموساد هو من اكد للبابا يوحنا بولس الثاني ان علي اغا الذي اغتاله لم يكن الا اداة ايرانية وليس سوفيتية ، وان عملية اغتياله لم تكن الا طريقا ضمن طرق الثورة الاسلامية الايرانية العالمية .

ومهما يكن من شان الروايات العديدة الا ان جميعها تقودنا في اتجاه واحد يبين مدى حرص اسرائيل غير المحدود على اختراق الفاتيكان دبلوماسيا وامنيا .

لكن قائل يقول :“ وما هو وزن الفاتيكان على الصعيد العالمي حتى تقيم له اسرائيل حسابا ؟

يذكرنا هذا التساؤل باخر شبيه له طرحه جوزيف ستالين الزعيم السوفيتي في زمن الشيوعية الاكبر حينما تندر على البابوية بقوله :“ كم فرقة عسكرية يمتلك البابا ”؟

على ان سخرية الاقدار هي التي قادت لان يكون اول مسمار يدق في نعش الشيوعية ياتي من قبل البابا البولندي “ يوحنا بولس الثاني “ الذي دعم حركة تضامن العمال في بولندا بزعامة ”ليش فاليسا “ ، وبالتعاون مع “ وليام كيسي “ الكاثوليكي بامتياز الذي ساقته الاقدار من لانجلي في واشنطن وادارة الاستخبارات المركزية الامريكية الى قصور الفاتيكان للتنسيق حول مواجهة الشيوعية .

يمتلك الفاتيكان قوة تاثير روحية ومعنوية غير عادية فمواطنيه الروحيين يبلغ عددهم بحسب اخر تعداد نحو مليار ومائتين وخمسين مليون نسمة موزعين في قارات ارض الست مما يجعل حضوره في كل دوله وسفراءه في كل مدينة ومريديه في كل قرية حول العالم .

ولعل ما رشح مؤخرا عن بعض المصادر الامريكية المطلعة بين لنا كيف وزارة الخارجية الامريكية كثيرا جدا ما تلجا لمؤسسات الفاتيكان غير الرسمية والتي تلعب دورا فاعلا على صعيد العلاقات الدولية لانهاء كثير من المشاكل التي تعجز امريكا بجبروتها عنها .

من بين امثلة تلك المؤسسات ياتي الحديث عن مؤسسة سانت ايجيديو المطلعة بدور كبير وفاعل حول العالم في نشر ثقافة السلام والتي تعد ذراعا فاتيكانيا هاما وضاربا بدون عنف او طائرات من دون طيار على النسق الامريكي .

لا يعلم اهمية اعتراف الفاتيكان بدولة فلسطين رسميا الا من يقدر الوزن السياسي والاخلاقي للفاتيكان وتاثيره على دوائر صناعة القرار حول العالم ، ولعل هذا بالفعل ما يزعج اسرائيل في الحال والاستقبال .

ذات مرة تحدث بطريرك القدس الفلسطيني الحالي “ فؤاد طوال “ عن الدور الفاعل الذي يدعم به اساقفة امريكا الكاثوليك القضية الفلسطينية ووصفه بانه افضل من انفاق ملايين الدولارات على شركات الدعاية العامة ، والسبب هو ان هولاء يتحدثون مباشرة وبقوة الاقناع والايمان والعقيدة مع شعوبهم وبمصداقية بعيدة كل البعد عن زيف الشراء بالمال لا بالانتماء .

اعتراف الفاتيكان بفلسطين دولة مستقلة يستوجب قراءة معمقة من قبل العالم العربي ، يكون هدفها البحث في تنمية وتقوية العلاقات مع الكرسي الرسولي ومد جسور الثقة مع الكاثوليك في قارات الارض لدعم قضايا العرب العادلة وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية ، عطفا على مواجهة غوائل العصر المتمثلة في الارهاب والالحاد وفي الراسمالية المتوحشة ، وفي سحق الانسان افضل مخلوقات الله

فهل تكون الفرصة تاريخية بالفعل ام سنضيعها كالعديد من الفرص العربية الضائعة ؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com