مدونات

" أشياء "الحضارة .. لا تحضرنا    !!
تاريخ النشر: 14 مايو 2015 6:00 GMT
تاريخ التحديث: 14 مايو 2015 6:00 GMT

" أشياء "الحضارة .. لا تحضرنا !!

كيف نرتدي اغلى الثياب ونقتني أفخر السيارات ثم لا نجيد السلوك في مقهى عام ! السبب أن الغرب كما قال الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي في كتابه " شروط النهضة " يبيعنا أشياء حضارته لكنه لا يبيعنا روحها ، يبيعنا السيارة ولا يبيعنا صفة الإتقان.

+A -A

عائشة سلطان

ليس شرطا أن نمتلك المال لنكون سعداء ،أو النفوذ لنكون محبوبين أو التكنولوجيا لنكون أكثر دقة في انجاز أعمالنا ، فالمال والنفوذ والتقنية مثل السيارة والطائرة والسكين وجهاز الهاتف الذكي مجرد وسائل أو أدوات لا أكثر ، أشياء نصنعها لنسخرها ، أشياء مصنوعة ، مبتكرة أو مخترعة ، كلها تقوم على فكرة عامة أساسها الإستخدام الأمثل لما فيه مصلحة المستهلك ،وهي مطلقة الاحتمالات ، بمعنى أنها لا تستخدم لغاية او وظيفة واحدة فقط كما كان الأمر سابقا .

إن الهاتف الذكي لم يعد وسيلة للاتصال فقط ، هذه فكرة قديمة تجاوزها الزمن وقانون التطور ، اليوم يمكن للهاتف أن يكون وسيلة تواصل ، اتصال ، انجاز الأعمال والمعاملات ، حجز الفنادق وتذاكر السفر ، واجهة تجارية للبيع وعرض البضائع ، شراء العقارات والأسهم حول العالم ، ملاحقة الأخبار ووكالات الأنباء ، دفع الفواتير وترويج الأفكار الجيدة والمدمرة معا، يعني يمكن للإنسان أن يقرأ كتابا رائعا بواسطته ويمكنه أيضا أن يفجر سيارة مفخخة ، صار الهاتف الذكي نافذة للقراءة ، للتثقيف ، لتعلم اللغات والطهي والخياطة والعناية بالأشجار والرقص وعزف الموسيقى ، واكتساب أصدقاء جدد في كل العالم …. نحن نتحدث عن الهاتف فقط ومع ذلك فهناك الكثير مما لا يمكن الإحاطة به في هذه المساحة الصغيرة !!

هكذا هي كل “ أشياء“ حضارتنا الراهنة ، تحمل وجهين دائما وتحتمل عشرات الإستعمالات ، فهي خير بحت وهي شر مطلق في الوقت نفسه ، ونحن فقط الذين نقرر الوجهة ، وطريقة التعاطي ، لكن دون تحميل الوسيلة نتيجة اخطائنا واختياراتنا الغبية أو غير العقلانية ، نحن نريد أن نرقى بحياتنا ، نريد ان نطورها للأفضل ، نريد أن نحاكي الأمم المتطورة ، أن نكون مثلهم ، فنظن أننا لو اشترينا “ أشياء الحضارة “ و “ منتجاتها “ مما صنعته تلك الأمم المتطورة من سيارات ، وهواتف ، وثياب تحاكي آخر خطوط الموضة ، ومنازل فارهة وأثاث جميل وساعات ومجوهرات وأحذية وطائرات وأجهزة كهربائية و…. ، فإننا سنحظى بذلك التطور والتحضر الذي لطالما حلمنا بأن نحصل عليه ، والذي لطالما جلدنا أنفسنا آلاف المرات لأننا متخلفون لم نتمكن من تحقيقه ، لكن ما يحدث هو أننا لا نتطور أو لم نتطور مثلهم او كما يفترض أن يكون التطور أو التحضر !

كنت أقف في طابور الدفع في أحد المحلات الضخمة ، وقفت أمامي عند جهاز الدفع مباشرة مجموعة من الفتيات، كان من المفترض أن يدفعن ثمن ما اخترنه ويخرجن ، لكنهن بدلن البضاعة واضفن قطعا جديدة أكثر من مرة ، في كل مرة كانت واحدة منهن تركض إلى الداخل لتجلب شيئا جديدا ، بينما الجميع يتأفف ويتذمر !ذلك سلوك لا يتناسب مع الحقائب والملابس التي اشترتها تلك الفتيات والتي تجاوز ثمنها ال 50,000 درهم ، التحضر سلوك لا يتجزأ ، وأول التحضر إحترام حقوق الآخرين ، كانت الفتيات غير مباليات بذلك الطابور الواقف وكأنه لا أحد في المكان !

في المقهى الرفيع المستوى ، كنت اشرب قهوتي واكتب مقالي بهدوء ، لم يكن هناك أمر مزعج ابدا ، سوى ذلك الشاب الذي كان يقلب مفاتيح سيارته البورش بطريقة استعراضية ويتحدث في هاتفه النقال مع صديقه بشكل مستفز جعل كل من في المقهى يلتفت تجاهه ، كان يضحك وكأن لا أحد غيره في المكان ، ويتحدث كمن يريد الجميع أن يسمع المحادثة ، وكان الحديث تافها وعاليا وبلا معنى ، وهو خر في حديثه وموضوعه لكنه حتما ليس حر في استفزازه للناس وفي الحديث بذلك الصوت المنكر ، لأن أنكر الأصوات صوت الحمير كما قال الله في كتابه الكريم !

كيف نرتدي اغلى الثياب ونقتني أفخر السيارات ثم لا نجيد السلوك في مقهى عام ! السبب أن الغرب كما قال الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي في كتابه “ شروط النهضة “ يبيعنا أشياء حضارته لكنه لا يبيعنا روحها ، يبيعنا السيارة ولا يبيعنا صفة الإتقان ، ويصدر لنا أفخر الثياب لكنه لا يعطينا حسن التصرف واللباقة والرقي ، وهو يبيعنا الكعب العالي وأحمر الشفاه وحقائب شانيل وقمصان هيرمس لكنه حتما لا يرفق معها آداب التعامل مع المرأة والسلوك المهذب في الاماكن العامة واللطافة واحترام المواعيد والآخرين !

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك