إما جنيف أو أحلام ركيكة

إما جنيف أو أحلام ركيكة

يوسف ضمرة

 حين توافق المعارضة السورية على الذهاب مجددا إلى جنيف، فهذا يعني حكما أنها سوف تتفاوض مع النظام السوري برئاسة الأسد. وكل كلام آخر عن الرفض والشروط المسبقة يصبح مجرد تزجية للوقت، وتخفيف لأثر الصدمة التي قد تصيب كثيرين، جراء هذا القرار.

تصر المعارضة ـ وهي توافق على الذهاب إلى جنيف ـ على حكومة كاملة الصلاحية. وهو كلام عام إلى حد ما، لئلا نقول: إلى حد كبير. كانت ترجمة هذه العبارة في السابق إبعاد الرئيس السوري عن أي مهام، وتجريده من أي صلاحيات، وخصوصا في الأمن. ولا أعرف كيف للمعارضة أن تكون على درجة عالية من الحمق، وهي تقول ذلك. فالجيش السوري الذي يقاتل منذ 4 سنوات، يقاتل بإمرة الرئيس الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. والجيش السوري الذي ارتضى لنفسه طوعا الدفاع عن سوريا تحت قيادة الرئيس الأسد، لن يقبل أن يتم وضعه تحت إمرة بعض المتهورين أو التكفيريين أو اللذين يوزعون صكوك الغفران والتكفير يمينا وشمالا. والسوريون اللذين وقفوا مع النظام السوري في التجمعات السكانية، سيرفضون مثل هذه الترهات التي تتحدث عنها المعارضة. والمعارضة تدرك ذلك؛ تدرك جيدا أن الذهاب إلى جنيف هو اعتراف بشرعية النظام القائم. وأن كل ما يمكن الحصول عليه بعد كل هذا القتل والموت والتخريب، هي تلك الإصلاحات السياسية والأمنية والإدارية التي وافق النظام السوري على إجرائها منذ البداية. فحزب البعث لن يصبح الحزب الحاكم قسرا، ولا بد من انتخابات نزيهة بإشراف دولي. سيحدث هذا في ظل حكومة تضم ألوان الطيف السياسي السوري كله من دون إقصاء. وهو ما توافق عليه سوريا كذلك منذ البداية.

لكن المعضلة الأكبر، تتعين في كيفية إقناع من اصطف وراء هذه المعارضة، ومن صدقها، ومن وثق بها، وقبل بتخريب سوريا على هذا الأساس!

في كل الحالات الشبيهة عبر التاريخ، يكون هنالك أناس يلعبون دور الإطفائي. وهؤلاء تكون مهمتهم الدخول إلى الحيز المشتعل، لكنهم مزودون بأردية واقية من النار. دي مستورا أقر بضرورة إشراك إيران في الحل السياسي؛ صحيح أن التحاور مع إيران لن يعجب كثيرين، لكن الإطفائيين يعرفون بخبرتهم كيف يقومون بعملهم جيدا، وكيف يمنعون امتداد النيران إلى مناطق أخرى. فالمهم أولا وقبل كل شيء هو حصر النار في حيز ينبغي لها ألا تتعداه. والمعارضة تدرك ذلك أيضا، ولن تجد ما تعترض عليه عمليا، لكن الإعلام مفتوح، ويمكنها أن تقول في إيران وغير إيران أكثر مما قال مالك في الخمر.

ربما أوحت التطورات الأخيرة بغير ذلك؛ أعني دخول الكيان الصهيوني على الخط بحجم أكبر كما تشير الأنباء. لكن هذا أيضا محكوم بخطوط حمر رسمتها واشنطن وموسكو وطهران والضاحية. قد يستغرب البعض أن نضع الضاحية مع واشنطن وموسكو، لكن المتأمل في الوقائع الميدانية في سوريا، والمتأمل في العلاقة المشدودة دائما بين حزب الله والكيسان الصهيوني، والتخوف الدائم من انفلات عقال على حدود لبنان، يدرك كم للضاحية من أثر بالغ في تعديل موازين القوى العسكرية، وبالتالي السياسية. وعليه نقول إن هذه التطورات التي تبدو إعلامية أكبر من حجمها، لن تقصي جنيف أو موسكو. فدائما لا بد من“طائف“ في مكان ما. ومن المعروف أن الكيان الصهيوني سيسعى ما استطاع إلى تعطيل أي ”طائف“ في الطريق. وربما من هذه الزاوية يمكن النظر مؤخرا إلى استهداف مجموعة سورية على الحدود، وإلى ما قيل إنه استهداف صواريخ كانت في طريقها إلى لبنان، وغير ذلك.

لن ألتفت كثيرا إلى بعض التطورات الميدانية داخل سوريا، كما فعل الأستاذ تاج الدين عبد الحق، وهو مصيب كما أظن في قراءته لهذه التطورات. ولكني فقط، أود القول إن ما يخالف هذا التأويل إن وجد، لن يكون إلا قرارا تركيا سعوديا، محمولا على أحلام ركيكة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com