تصعيد بنكهة الحل في سوريا

تصعيد بنكهة الحل في سوريا
معسكر القرميد

المصدر: تاج الدين عبد الحق

 حالة المد والجزر التي تشهدها المواجهة بين النظام والمعارضة في سوريا، لا تعني أن الحسم العسكري للأزمة السورية بات ممكنا. وأن اختراقا هنا يمكن أن يغير المعادلة أو أن اختراقا هناك، يقلب التوازن.

 فمع أن الأطراف السورية هي من يدفع الثمن، ومن يشكل وقودا للأزمة منذ اندلاعها، إلا أنها ليست من يتحكم بالمفاتيح ومن يحدد إمكانيات الحسم، وفرص الحل.

ما حققته المعارضة في جنوب دمشق، وفي الشمال قد يشكل علامة فارقة في مسار الأزمة، لكنه لن يكون كافيا لتحديد مآلاتها، فالأطراف الداخلية مهما كانت إنجازاتها الميدانية، لا تتحرك بمعزل عن محيطها الإقليمي أو الدولي، وما تفعله هذه الأطراف في الداخل يظل محكوما بما يحدث في الخارج.

 والرهان على النظام السوري، أو قوى المعارضة هو رهان حسابات لا رهان نتائج، ومهما كانت دقة الحسابات فإنها لا تغير معادلة الحرب وما لم يتم التوافق بين القوى الفاعلة إقليميا ودوليا على شكل الحل، أو نوع الحسم، ستظل الأزمة تراوح مكانها، بين من يدعم النظام وهو على يقين أنه نظام آفل، وبين من يدعم المعارضة وهو يعلم أنها لن تكون البديل المقبول أو الممكن.

ولذلك فإن ارتفاع إيقاع العمليات العسكرية في سوريا مؤخرا، لا يعني بالضرورة ابتعاد فرص الحل السياسي، بل إنه قد يكون مقدمة له، حتى لو لاحت بوادر حسم في الميدان، أو تبدت ملامح تغير في الميزان. فالتغير في الواقع الميداني ليس أكثر من تحسين لشروط التفاوض وإمكانياته، والإنجاز العسكري هو مقدمة للعمل السياسي أو تمهيد له.

النظام السوري يدرك بعد الإخفاقات الأخيرة أن هامش المناورة أمامه لم يعد بحجم الهامش الذي كان لديه في المرات السابقة خاصة بعد أن وصلت المعارضة المسلحة إلى حدود مربعه الأمني، وحدود المظلة الطائفية التي يحتمي بها، وبعد أن أحكمت المعارضة يدها، على مزيد من المنافذ الحدودية، التي تفتح أمامها خطوط الدعم والإمداد.

لكن النجاح الميداني للمعارضة، لا يعني بالضرورة نجاحا سياسيا، فهي لا تزال تحتاج إلى شهادة حسن سلوك كطرف مؤهل ينوب عن كافة الفصائل في أي مفاوضات، وهي بحاجة الى قبول من القوى الإقليمية والدولية، لتكون شريكا مقبولا في أي حل.

 وسواء كان المطلوب من المعارضة شهادة تأهيل للتمثيل، أو تأهيل للشراكة، فإن التوافق على مثل هذه الشهادة   قد يسعر نار الخلافات المشتعلة أصلا بين الفصائل، إما بسبب الاختلاف في الاجتهادات، أو التباين في الطموحات.

فالمعارضة ليست معارضة واحدة حتى ضمن الخط الأيديولوجي الواحد، وما بينها من خلافات يمكن أن ينفجر في أي لحظة. بل إن النجاحات التي تحققها بعض الفصائل من حين لآخر، قد تثير الخلافات وتحيي ما تحت الرماد من تباينات.

شهدنا ذلك لا بين القوى والجماعات الإرهابية، كالنصرة مع داعش فقط ،  بل بين الفصائل والقوى السياسية، المحسوبة على صف الاعتدال ضمن سلسلة من الخلافات التي تبعث الشك في نضج المعارضة وفي قدرة مشروعها على النجاح وتجاوز الخلافات والحساسيات.

التصعيد الذي جرى في سوريا، هو صدى للتصعيد الذي يشهده الإقليم منذ انطلاق عاصفة الحزم في اليمن، والتي اعادت التوازن لميزان القوى في المنطقة.

ولم يكن هذا التصعيد باتجاه واحد. فقد سبق النجاح الذي حققته المعارضة في السيطرة على إدلب وبعض القرى المحاذية لها، وعلى المنافذ الحدودية في الجنوب، نجاحات لقوات النظام السوري والقوى المتحالفة معها في حلب وبعض القرى المحيطة بريف دمشق، وهي نجاحات بدت وكأنها رد على ما يحدث في اليمن، وعلى قاعدة أن أزمات المنطقة مترابطة أو من رحم عقدة سياسية واحدة.

وإذا صح هذا الربط فإنه يعيد تشكيل خريطة الأزمات ويحدد إمكانيات الحلول، لا في سوريا فحسب بل في المنطقة ككل.

وطالما أن الأزمات الإقليمية لا تزال في مرحلة تفاعل وتصعيد، فإن الأزمة السورية ستظل هي الأخرى مفتوحة على أكثر من احتمال، ليس من بينها حسم عسكري قريب أو حل سياسي منتظر.

وغالب الظن أن حال المراوحة المزمن، الذي تعيشه سوريا سيظل قائما ما دام النظام يستقوي بالخارج وما دامت المعارضة لا تتمكن من حسم خلافاتها في الداخل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com