الأبنودي يرحل و“عيون القلب“ تبكي

الأبنودي يرحل و“عيون القلب“ تبكي

الثلاثاء 21 أفريل 2015 رحل ”شاعر عظيم غيور على وطنه“، هكذا نعت الجمهورية المصرية عبد الرحمن الأبنودي، ونعاه الجميع بحزن بالغ جمع المثقفين البسطاء من الناس، المصريين والعرب، الأبنودي الذي كان مهموماً بعروبته، حاملاً قضايا أمته، محمّلاً قصائده مسؤولية كشف المستور والإشارة بأصابع الجرأة التي تقتضيها هذه المسؤولية إلى الجراح العربية، السياسية منها والإجتماعية، كوكبه لم يكن خياليا كدأب الشعراء بل كان مزروعاً في قلب الواقع، نابعاً منها، شاعر الشعب كان مجسّداً كبيراً للتجربة الناصرية، المنحازة لفئات المجتمع المرهوصة تحت وطأة الفقر، هذا ما يفسّر إلى جانب خياره الكتابة بالعاميّة شعبيته الواسعة لدى فئة البسطاء، ما ينفي تلقائيا صفة النخبوية عن الشِّعر والإبداع عموماً، وبلهجة جنوبية خالصة لم يتخلّ عنها حتى النهاية افتكّ موقع الأهمّ والأبرز من بين شعراء العامية المصريّة.

ولد عبد الرحمن الأبنودي في عام 1939 لعائلة فقيرة في قرية أبنود التابعة للصعيد المصري، قريته التي جاء محمّلاً بتاريخها وتراثها ولسانها الصعيدي شديد التعقيد، ظلّ مخلصا شكلاً ومضموناً لإنتماءه الجنوبي، محافظاً عليه وأيضاً موقناً أنها جزء صغير من قومية عربية، دافع عنها بإبداعه ومواقفه، فسياسيا كان الأبنودي تقريبا معارضا لكل الحكومات المتعاقبة في مصر بدءاً بعبد الناصر الذي كانت علاقته به اشكالية جدا، لا تفهم هل كان مؤيداً ومريداً أو معارضاً أو الإثنين معاً، مروراً بالسادات ومبارك، ومن ثمّ القضية الفلسطينية التي دافع عنها بشراسة وكتب القصائد في قمرها وأرضها، رثي شهدائها وبكى على أطفالها.

هنالك خطّ ليس لسواه، هنالك سيرة هلالية كان منبهراً بها كانت بداية علاقته بالأدب، الأبنودي لم يكن صاحب مشروع فرديّ ، فقد قضي سنوات طويلة مقتفياً أثر السيرة التي أحياها في خُماسيّة، كان يخشي على التاريخ القبليّ من الإتلاف بكلّ ما يحمله ويجسّده من جمال وعبقريّة، حرس السيرة جمّعها ووثّقها وطاف بلدان ومناطق كثيرة من أجل الحصول على تاريخ حقيقيّ، نابع من أماكن نشأته على لسان شعراء عدّة ورواة وليس من الكتب الأكاديمية، التي كثيراُ ما يُحرّف فيها التاريخ لصالح جهة دون أخرى لكن بلا بوصلة التوثيق الأمين الذي يجب أن يكون عليه تاريخ الأمم والشعوب.

بذلك وعلى حدِّ قوله استطاع -مثلما سعى- أن يُنقذ  إنجاز شعبه العظيم، وأمكنه أن يحفظه في الذاكرة الجماعية إلى الأبد.

كتب الأبنودي أجمل ما أنتجت الساحة الفنية طوال عقود من أغانٍ، وصدحت بكلماته أجمل الأصوات في العالم العربيّ، كانت دائماً مواضيع أغانيه تراوح بين ثيمات متعددة الوطن والأم والحبيبة، ضاربة عمق المشاعر الإنسانية أقرب ما يكون لمشاعرهم وحيواتهم.

كلمات بسيطة، مترقرقة كما الماء، لامعة كأنها اللؤلؤ، لم تمرّ على أذن إلاّ ولامست قلباً واستقرت لوقت به، تلك هي كلمات الأبنودي صاحب الخطوط العريضة والغائرة في جسد الفنّ الحقيقيّ.

”عدَّى النهار“.. ورحل ”أسمراني اللون“ .. هكذا بكت بحُرقةٍ ”عيون القلب“ .. على طول وامتداد المنطقة العربية .. رحمهُ الله ورحم زماننا هذا، حيث نتعرّى من أثوابنا الثمينة والدافئة قطعة إثرها قطعة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com