أكثر مما حلم به أشعيا ذات يوم

أكثر مما حلم به أشعيا ذات يوم

يوسف ضمرة

تتنقل الحروب من مشرق العالم العربي إلى مغربه؛ هذا يعني أن الكيان الصهيوني نجح تماما في تنحية القضية الفلسطينية جانبا، و أصبح يتفرج ويتلاعب بكل شبر في فلسطين كما يحلو له، من دون رادع أو حتى أصوات عربية مستنكرة؛ كل ما يقدم إلى مجلس الأمن اليوم من مشاريع قرارات ومقترحات، مرتبط بسوريا وليبيا واليمن والعراق؛ لا أحد يلتفت الآن إلى فلسطين.

النجاح الكبير للكيان وداعميه، يتمثل في تصوير إيران عدوا للعرب ولقضاياهم. أما كيف ولماذا؟ فلا أحد من هؤلاء يريد أن يعرف. هنالك جملة من الأقاويل أصبحت تقال كمسلمات، ويتم ترديدها صبحا ومساء في الإعلام العربي، الذي أصبح كله تقريبا يدار من غرفة عمليات واحدة.

العودة السريعة إلى أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، تجعلنا نتذكر أن العرب دفعوا مليارات الدولارات لمحاربة إيران، بعد أن زينوا لصدام حسن هذا الفعل. وكانت النتيجة أن الكيان الصهيوني تمكن من احتلال بيروت أثناء تلك الحرب، ثم تمكن الغرب من حصار العراق قبل تدميره تماما، وإشعال نار فتنة مذهبية لا يبدو أنها مرشحة للانطفاء في المدى المنظور.

كل ما نجنيه الآن مرتبط تماما بالصورة الأمريكية للعالم بعد انتهاء الحرب الباردة. فهنالك ما تبقى من الرفض للهيمنة الأمريكية المطلقة، وينبغي لهذا الرفض أن يزول تماما. فلا أحد يتمتع ببعض السلامة في التفكير، يمكنه تخيل أن كل ما حدث ويحدث منذ أربع سنوات ويزيد، هو وليد هبّة شعبية عربية حقيقية. ولا أحد يمكنه أن يفكر لحظة واحدة، أن هذه المجاميع المسلحة العابرة للحدود، حصلت على أسلحتها وتجهيزاتها في خلال عملية سطو عابرة على مصنع أسلحة سائب.

والآن تلتحق اليمن بركب الفوضى الأمريكية في المنطقة، لكي يسهل تركيب الصورة الجديدة للعالم الأمريكي في منطقتنا. ولا تخفي أمريكا دورها المباشر فيما يحدث في اليمن.

وبمعنى آخر، فالرمال تحتنا أصبحت كلها متحركة، ولم يتبق ثابت وحيد سوى الكيان الصهيوني، الذي يستمتع بكل ما يجري حوله، ويمعن في قمعه وقهره للشعب الفلسطيني، بعد أن تكرس الانقسام الفلسطيني إلى مقطعين: أحدهما يصدق أنه سلطة مستقلة تحت الاحتلال، ومستعد للتفاوض مع الكيان الصهيوني إلى آخر العمر. وثانيهما أخطأ الحسابات حين أراد الانخراط في الشأن الداخلي لبعض الدول العربية، ونسي العدو الصهيوني الذي يتربص به في كل آن، وغض الطرف عن معاناة عشرات آلاف الفلسطينيين اللذين ينامون في الشوارع. وهو إذلال للفلسطينيين تشارك فيه الدول العربية كلها، التي تنفق المليارات على تسليح الإرهابيين في سوريا والعراق، والمليارات في حربها على اليمن، بينما تصر على هذا الوضع المتردي للفلسطينيين، إمعانا في قهرهم، لكي يقبلوا في النهاية بالحل الصهيوني للقضية الفلسطينية، كما تريد أمريكا من قبل ومن بعد.

الطامة الكبرى هي أن العرب لا يتعلمون من أمريكا نفسها. فبينما يندفعون لمحاربة ما يعتقدونه نفوذا وتمددا إيرانيا، لا يتوقفون مليا أمام الحوار الأمريكي الإيراني الذي امتد سنوات، من دون أن تلجأ أمريكا أو الكيان الصهيوني إلى حل عسكري لمسألة الملف النووي الإيراني. أي إنه على العرب أن يشتروا الأسلحة بمليارات الدولارات لإنعاش الاقتصاد الأمريكي، وعليهم أن يستمروا في تعميق الفوضى ونشرها، بينما تقوم أمريكا بجني المحصول كله في نهاية الموسم.

فبينما تقر أمريكا بإيران دولة مركزية ونووية في المنطقة، نقوم نحن بإحياء أحقاد سخيفة، تتعلق بطريقة الوضوء والوقوف في الصلاة حينا، وباتهام عائشة أو تبرئتها حينا آخر. وكأن مستقبلنا قائم على البت القطعي في هذه المسائل، قبل أن نخطو خطوة حقيقية واحدة إلى غد أفضل.

هنيئا للكيان الصهيوني بما تم إنجازه حتى اليوم، فقد فعل العرب ما جاء في سفر أشعيا النبي في التوراة، وأكثر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com