جنرالات العرب وعميلات الموساد

جنرالات العرب وعميلات الموساد

إميل أمين

لا يخلو تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي من قصص على قدر كبير من الإثارة، التى لا مثيل لها، إلا على شاشات السينما وقصص العميل السري جيمس بوند أو 007.

أخر فصول التشويق والإثارة والمتعة، والمتصلة بصراع العقول وأجهزة الاستخبارات العربية الإسرائيلية، هو ذاك الذي كشف عنه الكتاب الصادر حديثا عن دار كنوز في القاهرة لصاحبه الكاتب الصحفي المصري ”توحيد مجدي“ بعنوان :“ حريم الجنرالات.. عملية الموساد لاستهداف المشير الجمسي“… من هو الجمسي للأجيال الشابة التى لا تعرفه؟

 بحسب الدراسات والإحصائيات العسكرية الأمريكية هو أحد أهم القادة العسكريين الخمسين في القرن العشرين وقد شعل منصب رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة المصرية أثناء حرب أكتوبر 1973، ولاحقا وزير الدفاع حتى العام 1979.

عرف الجمسي كمفاوض شرس ومقاتل صنديد في مفاوضات فض الاشتباك بين الجيش المصري والإسرائيلي المعروفة بمفاوضات الكيلو 101، عقب توقف القتال في أكتوبر 1973.

لماذا استهدف الموساد الجمسي ومن الذي أوصي باستهدافه؟

 في صفحات الكتاب الواقع في نحو ثلاثمائة صفحة من القطع الكبير أحاديث مطولة عن اللقاءات المكوكية التى قام بها وزير خارجية أمريكا في ذلك الوقت هنري كيسنجر بين القاهرة وتل أبيب وكثير منها جري في أسوان، التى كان يفضل الرئيس السادات قضاء أوقات الشتاء فيها.

في أحد تلك اللقاءات سلم كيسنجر للسادات ورقة عليها رسالة من اللواء ”أهارون ياريف“ رئيس الوفد العسكري الإسرائيلي في مفاوضات الكيلو 101، مكتوب عليها آية من سفر أشعياء النبي، كانت بمثابة مغازلة للسادات للمضي في طريق السلام ووقف الحروب تقول :“ فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على أمة سيفا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد“ وهي نفس الآية الموجودة في جدارية أمام الأمم المتحدة في نيويورك عند ما يعرف بحائط اشعياء“.

على أن السادات لاحظ آثار كتابه من أوراق سابقة على ظهر الرسالة التى وصلته، وبتحليل ما بها عبر رجال الاستخبارات المصري كانت هناك مفاجأة من العيار الثقيل مكتوبة بخط يد اللواء ”أهارون“ يقول فيها متحدثا عن الجمسي :“ قائد عسكري من طراز فريد، لم أكن لأصدق قبل الليلة أن مصر تمتلك مثله، ذئب مراوغ يخفي خلف شخصيته العسكرية الصارمة والمنظمة رجلا عاطفيا حالما رقيق المشاعر إلي حد المبالغة، فارس من عالم أسطوري، رومانسي الميول تتصارع في داخله شهوات عشق النساء مع حب العظمة، لديه ثغرات عميقة، من الصعب على الرجال التعامل معها، ومن السهل على المرأة المدربة الخبيرة في ترويض النبلاء إيقاعه في حبالها“.

كان البحث إذن عن عميله محترفة على درجة عالية من الخبرة والمهارة لنصب شباكها حول الجمسي… هل كان كيسنجر يؤيد هذا الاتجاه؟

في أحد أحاديثه مع رئيسة وزراء إسرائيل جولد مائير في ذلك الوقت، قال لها  كيسنجر بالنص :“ لقد نصحت وكالة الاستخبارات المركزية CIA بضرورة البحث عن حل مناسب وعاجل للخمسي، إما باستمالته بأي وسيلة، أو الإطاحة به من الطريق حتى ننجح في فرض شروطنا دون تدخل منه يؤثر على قرار السادات ويضر بخططكم في المستقبل.

منذ ذلك الوقت سخر الموساد النقيب ”تامارا جولان“ التى كانت تجوب أفريقيا بوصفها صحفية متخصصة في الشأن الأفريقي، وبجواز سفر فرنسي، لمطاردة الجمسي وإيقاعه في حبائلها.

كانت المخابرات المصرية تسبق ”تامارا“ دائما بعدة خطوات، بل كانت تستغلها لإدخال معلومات مغلوطة على الإسرائيليين، منها عملية المنزل الآمن للرئيس السادات في باريس في الأسبوع الأول من أكتوبر 1973، كأحد وسائل الخدع الاستراتيجي التى ساهمت في نصر أكتوبر.

قصة الجمسي مع تامارا مثيرة، وقد وصلت حدود التحرش به في فندوق الملك داؤد القدسي، وكان الموساد قد سبق وملا غرفة الجنرال ”النحيف المخيف“ بكاميرات التصوير وميكروفات الصوت، ترقبا للحظة التى يقع فيها في غرام تامارا، لكن القائد العسكري، الفلاح المسلم، رفض بتهذيب بالغ وأن لم يقطع طريق الصداقة معها، تماما بحسب الخطة الموضوعة من الرئيس السادات واللواء كمال حسن على مدير الاستخبارات المصرية في ذلك الوقت.

كثرت زيارات تامارا لمصر، وفي أحداها قابلت اللواء فوزي عبد الحافظ سكرتير السادات وكاتم اسراره   وأخبرته أنهم كبار حاخامات  إسرائيل المتطرفين ارادوا قتل السادات قبل زيارته للقدس  عند زيارته،  من خلال صلاة تسمي ”بولسا دينورا“ أو ”ضربة من النار“.

هل فشل حاخامات إسرائيل في قتل السادات؟ هناك من يقول أن الصلاة ذاتها كانت وراء وفاة عبد الناصر بالأزمة القلبية عبر ”قلب محروق“ كانت تصوب إليه السهام، ويصلى في النار، لمدة أسبوع مع تعاويذ القبالاة الإسرائيلية.

عندما أخبر اللواء فوزي عبد الحافز كاتم الإسرار للرئيس السادات رئيسه بهذه القصة لم يضحك السادات بل راح يستعيذ بالله من شر اليهود وأعمالهم السفلية، وأقسم أنه شعر بالفعل قبل يوم من سفره إلي القدس بحالة ضيق شديدة بالتنفس والصدر وأن السيدة جيهان قلقت عليه للغاية، لكنهما أرجعا الحالة إلي الضغط العصبي وقلقه من القرار التاريخي.

فشلت تامارا في عملية تجنيد الجمسي، لكن ما فعلته برؤسا أفريقيا يؤكد عمق الاختراق الإسرائيلي للقادة السمراء.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com