صديقي الأرميني مات قبل الذكرى المئوية للمجزرة التركية

صديقي الأرميني مات قبل الذكرى المئوية للمجزرة التركية
محمد الغيطي
لم استطع يوما نطق اسمه صحيحا ،هذه كانت مشكلتي الوحيدة معه لذلك كنت اناديه  ياصديقي او يابلدينا رغم انني لست ارمينيا لكنه ولد بالإسكندرية لعائلة أرمينية وصلت لمصر عبر البحر هربا من مجازر السلطنة العثمانية التي أبادت فيها مايقرب من مليون ونصف ارميني على مرحلتين بدأت في ٢٤ابريل نيسان ١٩١٥ثم ١٩١٧والباقي تم تهجيره قصرا ليعلن السلطان العثماني عبد الحميد ان تركيا خالية من الأرمن بضمير مستريح ويعتبر ذلك نصرا لسلطانه .
صديقي الأرميني اسمه فولكهار كان يخطط لعمل تظاهرة ارمينية في مدينه الاسكندرية يوم ٢٥ابريل القادم في ذكرى مائة عام على المجزرة وعنما استضفته في برنامجي التليفزيوني تحدث عن اجداده  الأرمن وكيف انهم تعرضوا بسبب عرقهم ودينهم لابشع إبادة تفوق مافعله النازي باليهود وقال ان يهود العالم اخذوا أكثرمما يستحقون لان لديهم آلة إعلام قوية ويسيطرون على سياسةالدول العظمى ،اما نحن الأرمن فليس لنا قدراتهم ،نحن شعب مسالم ولانعرف العنف ولذلك منا الشعراء والمبدعون والفنانون وأخذ يسرد كيف عانى اجداده للوصول الى الاسكندرية اثناء الحرب العالمية الاولى.
ذكر ان جدته الاولى داهمتها الام المخاض  على حدود تركيا وهي تهرب وأمسك بها جنود العثمانيين وعندما عرفوا بحملها بقروها وذبحوها ويشاء الخالق ان تموت ويخرج من بطنها الطفل سليما ليلتقطه أقاربها ويهربون به ليكبر في الاسكندرية ويتزوج ارمينية وياتي فولكهار من نسله.
وبعد ان حكى مشاهد فظيعة للقتل والذبح والحرق  وحصار قرى باكملها وأبادتها غنى أغنية أرمينية ميلودرامية جدا وللحق لم افهم كلمة منها لكنه أبكاني وأبكى  كل من شاهده بسحر الصدق والتعاطف.
كان فولكهار  قد اقنع جمعيات حقوق الانسان في مصر بالتضامن معه في دعوى قضائية رفعها ضد تركيا امام المحاكم المصرية والدولية وعقد مؤتمرا صحفيا في مكتبة الاسكندرية ليعلن تفاصيل التظاهرة الكبرى وطلب مني تغطيتها اعلاميا في ٢٥ ابريل القادم لكن القدر لم يمهله .
منذ شهرين تقريبا داهمته الام بالمعدة ودخل المستشفى ليجري منظارا على الجهاز الهضمي واصيب بهبوط حاد في الدورة الدموية ومات ،،يقول صديقه محمد سعد خيرالله مؤسس تحالف ضد الأخونة انه ظل اياما يواصل الليل بالنهار لتوصيل صوت الأرمن للعالم ويبدو ان حلمه جاوز طاقته وفاضت روحه لبارئه ،يقول الأطباءانه كان يغني نفس المرثية الحزينة على فراق الاجداد والحنين للوطن قبل ان يغيب عن الوعي في فراش الموت.
عندما حكيت لصديقتي  الفنانة القديرة نيللي الارمينية الأصل عن فولدكهار  شردت وتنهدت وقالت ربنا يخلي لنا مصر ،وبالمناسبة الفن المصري والعربي قام على اكتاف  الرعيل الاول من الأرمن المهاجرين وابناءهم ومنهم بديعة مصابني وآسيا وورد كاش ولبلبة والطفلة المعجزة فيروز وغيرهم .
انني اسرد قصة صديقي الأرميني بينما اردوغان العثماني يرفض الاعتراف بجرائم اجداده ضد الأرمن ويضيف مادة في قانون العقوبات بتجريم وحبس كل من يذكر كلمة إبادة  في وصف ماحدث للأرمن -عكس قوانين الغرب التي تنكر الهولوكوست -،وعندما ذكر منذ ايام بابا الفاتيكان كلمة إبادة الأرمن في احدى خطبه استدعت أنقره سفير الفاتيكان احتجاجا على كلمته التي طالب فيها دول العالم بالتضامن مع الشعب الأرميني الذي يعاني من الشتات.
في كل الأحوال يبدو ان ذكرى مرور مائة عام على المجزرة لن تمر مرور الكرام لان  هناك ٢٢دولة اعترفت بالإبادة  منها فرنسا والبرلمان الأوربي منذ ايام اصدر بيانا عاصفا طالب فية تركيا بفتح التحقيق في الجرائم والتفتيش عن الوثاىق والصور وشهادات الشهود الذين سجلوها وأخفاها حكام تركيا جيلا بِعد جيل وأعطى  البرلمان الأوربي مهلة لأردوغان للرد على طلبه قبل نهابه الشهر  ولكن الديك التركي المنفوخ أسرع باستفزاز العالم وقال لن نسمح بفتح هذه الصفحة من تاريخنا .
الامر لم يقف عند هذا بل نشرت صحيفة حريات التركية ان اردوغان طلب انتاج أفلام تسجيلية وأعمال فنية تزور الحقيقة وتقول انها كانت حرب أهلية مات فيها اتراك وأرمن ،اردوغان يتصور واهما ان الحقيقة يمكن ان تدفن وان اهات التاريخ الأرميني يمكن ان تذروها رياح الكذب ،هو لايعلم ان أنات الصدور والذكريات وقصص الجدات في ليالي الشتاء أقوى   وأخلد من كل إعلامه المضلل .
رحم الله صديقي فولكهار الأرميني ،نم ياصديقي  في هدوء لان ضمير العالم يحقق حلمك  الان ولانامت  أعين الجبناء .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com