ابليس . الأفعى . حواء . آدم . ( فنتازيا ) البشرية !!..

ابليس . الأفعى . حواء . آدم . ( فنتازيا ) البشرية !!..

نجم عبد الكريم

إذا صدقت الأساطير ، فالأفعى هي أول ( وكيل دعاية ) في التاريخ ..

والأفعى كان مجال عملها ضيق جداً … كان جهدها موجهاً الى ( رجل ) .. و( امرأة ) !!..

ومن العجب أن الرجل لم يكن يعرف أن صاحبته امرأة !!.. والمرأة لم تكن تعرف أن صاحبها رجل !!..

أي لغز هذا يا أفعى ؟!..

– لغز سهل الحل إذا قلت لكم : أن الرجل كان أبوكم آدم .. والمرأة كانت امكم حواء .. أذكر يوم لقيني ابليس وأنا أتلوى على شجرة مثمرة شهية من أشجار الجنة ، اقترب مني بأسلوبه المعروف .. فقال لي :

– ما أروع ليونتك !!.. وأبدع طريقتك في التلوي على فروع الأشجار !!.. ثم المشي على البطن ، إذا هبطت على الشجرة تسعين فوق أرض الجنة !!.. من أين لكِ كل هذه القدرات ؟!..

– اسمع يا ابليس .. أنت أول من يعرف أن ربي هو الذي وهب مخلوقاته كلها في الجنة فنوناً شتى من القدرات ، ماذا تريد مني ؟!..

– بل قولي ماذا ( أريد لكِ ) ..

– من قال أنك تريد شيئاً لأحد ؟!.. غير الشر بالطبع !!..

– ما أريده هذه المرة ليس إلا الخير للجميع .. لكِ أولاً .. ثم لهؤلاء الذين يرتعون سعداء في جنة الرحمن ، بينما أنا الوحيد الطريد ..

– من تعني بالذين يرتعون سعداء ؟!.. لا أعرف في الجنة سوى هذا الرجل الذي تناديه صاحبته آدم .. والمرأة – صاحبته – التي يناديها هو حواء ..

– تعرفين أن علاقتي فسدت مع الرجل على وجه التحديد .. وكلما حاولت أن أصلح ما بيني وبينه نفر مني وأبى أن يدخل في حوار معي ..

لهذا أملت أن تكوني أنت ( أفعى السلام ) ..

– وأفعل ماذا ؟!..

– الرجل عنيد … ولا يعرف ما يضره وما ينفعه .. ولهذا عليكِ أنت أن تلفتي نظره الى الخير العميم الذي لم ينتبه إليه !!..

– وما ذلك الخير العميم الذي لم ينتبه إليه ؟!..

– الخلود !!.. والملك العريض !!.. والزواج السعيد !!.. والذرية !!..

– عجباً .. وما يمنعه من الزواج السعيد والذرية وهذه الشابة بجانبه أينما ذهب ؟!..

– المشكلة أنه لا ينتبه الى أنوثتها !!.. وهي لا تنتبه الى رجولته !!.. عليكِ أنت نيابة عني .. أن تفتحي له عينيه على جمال حواء ورقتها وحبها الشديد له ..

– وكيف أفعل هذا ؟!..

– هذه الشجرة التي تلتفين حول فروعها .. ألا ترين ثمارها الشهية ؟؟!.. هل ذقتها ؟؟..

– أحياناً .. ولكن معدتي الصغيرة لا تهضمها !!..

– أسألك عن مذاقها ؟!..

– لذيذ !..

– آدم هذا لا يقترب من هذه الشجرة ليعرف ما يفوته من لذة الطعم .. أليس هذا محزناً حقاً ؟!..

– ولماذا لا يقترب منها ؟!..

– “ يزعم “ أن ربه حذره منها !!..

– اذاً فلا قول بعد قول ربه العظيم ..

– قلت لكِ أنه “ يزعم “ هذا .. مجرد زعم .. أما الحقيقة فعندي أنا !!..

– وما الحقيقة يا ابليس ؟؟..

– الحقيقة أن هذه الجنة ستكون أروع وأجمل وأبهى اذا تزوج الرجل من المرأة ، وتناسلا ، وأنجبا الأبناء والبنات والأحفاد … حين إذ تمتلئ أرجاء الجنة بالناس وتزول عنها الوحشة ، ونسعد كلنا بمرح الأطفال ، ومغامرات الشباب العاطفية .. يا لها من متعة !!.. تصوري يا أفعى الجنة وقد ..

– ( مقاطعةً ) .. بعد هذه المقدمة كلها لم لا أعرف .. ماذا تريد على وجه الخصوص يا ابليس ؟!..

– اذا قبلتِ يا أفعى جعلتك ( مندوبةً ) لي ..

– مندوبة لك في ماذا ؟!..

– مندوبة دعاية !!..

– مندوبة دعاية ؟!.. ما معنى هذا ؟!..

– اغراء حواء بثمار الشجرة .. الدعاية لهذه الثمار ..

– لست أفهمك يا ابليس .. أتريد اغراء آدم بالشجرة أم اغراء حواء بها ؟!..

– حواء هي الطريق الى آدم .. اذا عزمت المرأة على شيء .. فلن يقوى الرجل على معارضتها فيما تريد أو صدها عنه ، وينتهي الأمر به في كل مرة بالخضوع والنزول على ما يراد منه وبه ..

– فماذا هو عملي – كمندوبة دعاية – على وجه التحديد ؟!..

– لقد سمعتك وأنت تغرين زوجك الأفعوان بالأكل من الشجرة .. رفض مرات .. ولكن أسلوبك في الغواية راق لي .. استعملي مع حواء نفس الكلمات التي استعملتها مع زوجك الأفعوان !!..

– وما مكسبي من هذه الوظيفة ؟!..

– مكاسب كثيرة .. أهمها أن تصبحي ملكة الهوام والزواحف .. يهابوكِ ويفسحوا لك الطريق خوفاً فور أن يروكِ .. هه.. ما رأيك ؟!..

– لا بأس بالوظيفة ومكاسبها يا ابليس .. وإن كنت في الحقيقة أتوجس منك خيفة .. تماماً كما يتوجسه منك آدم ..

– إذا أقنعت حواء بالأكل من ثمار الشجرة ، أغرت آدم بأن يفعل فعلها … حينئذ يدرك أنني لا أريد له إلا الخير ، فينصلح حالي معه ونعيش كلنا في الجنة سعداء !!..

  • وتصدت الأفعى – أول وكيل دعاية في التاريخ – لحواء وهي تمر قرب الشجرة مستخدمة أسلوب الدعاية التي تغري النساء :

– أنتِ أيتها الجميلة .. هل ذقتِ هذه التفاحة ؟!..أتريدين أن تحصلي على الصحة ، والحكمة ، والذكاء ؟!.. أتريدين جمالاً فوق جمالك ؟!.. بشرة ناعمة مغرية .. لمعة في العينين كلها اغراء وجاذبية .. إذاً فكلي تفاحة .. مدي يدك وخذي واحدة .. حمراء لامعة ناضجة مفعمة بعصير الحياة واكسير الصحة .. لن تخسري مع ثمار شجرتي شيئاً .. بل ستكسبين الكثير .. وبلا مقابل .. أجل .. بلا مقابل .. أتريدين يا جميلة أن يظل صاحبك بجانبك ولا يفارقك … يحميكِ من وحوش الجنة .. ويحدب عليكِ ؟؟!.. إذاً كلي واحدة من تفاح شجرتي .. مجاناً يا جميلة … مع الأفعى ستكسبين دائماً !!..

  • وفعلت الدعاية فعلتها مع حواء .. ولو كان مع حواء عشرات من جنسها لما بقيت على شجرة – وكيلة الدعاية – تفاحة واحدة … ومدت حواء يدها وقطفت واحدة وقضمت قضمة ولاكتها بفمها !!.. فتسألها الأفعى :

– هه ؟!.. ما رأيك ؟!.. أليست لذيذة ؟!.. اقضمي قضمة أخرى واستمتعي بالرحيق الحلو الذيذ في حلقك …

  • وقضمة ثانية وثالثة .. وانتهت التفاحة حتى البذور .. وتناولت حواء من الغصن تفاحة أخرى وأسرعت تجري بها نحو صاحبها آدم .. إنها تُؤثره على سواه من كل مخلوقات الجنة ولا تدري شيئاً عن رجولته ، وهو لا يدري شيئاً عن أنوثتها ، قدمت له التفاحة وقالت :

– آدم .. إنها لذيذة جداً ..

– “ في روع “ .. ماذا ؟!.. تأكلين من الشجرة التي مُنعنا عنها ؟!..

– كل يا آدم .. كل يا رجل !!..

– ياحواء .. أتدرين ماذا سيحدث لكِ بعد أن أكلت من هذه الشجرة ؟!.. ستغادرين هذه الجنة ؟!..

– أين أذهب ؟!..

– لا أدري ؟!..

– وأنت ؟!..

– أنا باقٍ هنا مادمت لم آكل من الشجرة ..

– وحدك ؟!..

– هذا هو المحزن في الأمر كله .. فقد كنت قد استرحت لوجودك معي ، رغم ثرثرتك وكثرة مطالبتك إياي بأن أقدم لكِ خدمات ..

– “ باكيةً “ .. سنفترق إذاً يا آدم ؟!..

– ألم أحذرك من الشجرة ؟!..

– لو سمعت ما قالت الأفعى عن التفاح وفوائده لما ترددت في أكل واحدة ..

– الأفعى ذربة اللسان وتُحسن الدعاية لكل شيء ..

– ولكنها صادقة في أمر التفاح يا آدم .. آه من طعمه .. ورائحة عطره .. جربه .. جرب !!..

– لا أريد يا حواء .. لا أريد يا حواء !!..

– كأنك تتمنى في قلبك أن أتركك وحدك .. كأنك ذقت ذرعاً بوجودك معي – تبكي – مع أنني لم أسبب لك أية مشاكل .. ولم ..

– يا حواء .. المسألة ليست كما تتصورينها .. ولكن ..

– إذاً فكل من هذه التفاحة .. لقد قطفت لك أنضج ما في الشجرة ..

– حواء !!..

– ستبقى وحدك يا آدم اذا أصررت على الرفض .. خذ .. خذ قضمة ..

– أرجوكِ حواء ، ابعديها عن أنفي .. إن ريحها عطرة جداً !!..

– وطعمها .. أنت لا تدري ما يفوتك !!.. قضمة واحدة لن تضر .. واحدة فقط !!..

– “ في ضعف “ .. وبعدها معك يا حواء ؟!..

* * *

  • وأكل منها … وعرف آدم أن حواء امرأة .. وعرفت حواء أن آدم رجل .. وحتى قبل أن يُنجبا قابيل وهابيل ، أهبطهما الله الى الأرض .. ورغم أن ذرية أبينا وأمنا حُرما من الجنة بسبب ( الاعلان ) المثير عن التفاحة ، فما أكثر الذين احترفوا في الأرض المهنة التي أخرجت أبوينا من الجنة … وما أكثر الذين استجابوا لهذه الدعاية .. حتى أصبحت هي المسير لكل حياتنا لأن المخطط للدعاية كان ابليس ، والمروج لها كانت أفعى !!..

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com