"مجهولو النسب".. حدوتة أوروبية

"مجهولو النسب".. حدوتة أوروبية

لماذا لا نتبنى جميعا لفظ "فاقدي الأبوين" الذي قد يخفف بعض الشيء من الواقع الأليم الذي يعيشه هؤلاء الذين تقدر أعدادهم بقرابة مليون مولود لقيط.

المصدر: غادة خليل

في أغنية قديمة، شديدة الشجن والمرارة ، يقول الشاعر مجدي نجيب:

“ تنساني فرحه في عنيَّا

ودنيا خضرا جايَّه

ينساني قلب الجميع

تنساني بسمة ربيع

تنساني أفراحي

ينساني صباحي

تنساني الشموس

وتنكرني النفوس

تنساني الشوارع والبيوت

وادبلْ .. ادبلْ أموت… ”

أعرف جيدا أن الأغنية تتحدث عن مشاعر لاجئ فلسطيني فقد أرضه  فأصبح منزوع الجذور، لكني لا أعرف لماذا أراها تنطبق حرفيا على مأساة كاملة الأركان اسمها  الشائع في الاسواق ”الأطفال مجهولي النسب!“، وهو مصطلح لا أشعر تجاهه بكثير من الارتياح.

وعلى سبيل المثال، لماذا لا نتبنى جميعا لفظ ”فاقدي الأبوين“ الذي قد يخفف بعض الشيء من الواقع الأليم الذي يعيشه هؤلاء الذين تقدر أعدادهم بقرابة مليون مولود لقيط استقبلتهم المؤسسات الخيرية والأسر البديلة والصديقة في مصر وحدها على مدى عشرات السنوات، من بينهم أكثر من 77% يرفضون الاعتراف برعايتهم في مراكز للإيواء.

إن قرار المحكمة بإلزام مصلحة الأحوال المدنية بوزارة الداخلية المصرية بإصدار بطاقة الرقم القومي لفاقدي الأبوين، وذلك بالتسمية الثلاثية الجزافية لخانة الأب وخانة الأم طالما لم يظهر الوالدان الحقيقيان، هو قرار منصف بكل المعاني، وهو ابتسامة ترسمها الدنيا على وجوههم في محاولة للاعتراف بحقهم الدستوري فى التمتع بالشخصية القانونية وعدم النيل من هويتهم الإنسانية.

 اللافت أن البعض منا قد يعتقد أن هذه المشكلة تعاني منها دولنا العربية أكثر من غيرها، إلا أن احصائيات المفوضية الأوروبية تؤكد أن عدد المواليد غير الشرعيين في ألمانيا يبلغ حوالي 37%، و25% في فرنسا، و38% في النمسا.

 أتذكر الآن قصة زوج صديقتي الاسباني الدكتور ”خوانخو“- بنجاحه وعلاقاته الاجتماعية الواسعة- الذي تعرفت عليه منذ أن وطأت قدماي أرض الأندلس، فبينما كنت في زيارة لمنزلهما يوما ما، وبينما كنا نحتسي الشاي فإذ به يخبرني أن ابويه اللذين كنت قد تعرفت عليهما مسبقا ليسا أبواه الحقيقيان، وإنما قد تبنوه من ملجأ للأيتام عندما كان في السادسة من عمره وأنه ”مجهول الأصل“ ولا يعلم من أين أتى.

 كان الأمر صادما للوهلة الأولى، لكني سرعان ما تداركت الموقف وفكرت في هذا الإنسان الرائع الذي يسهر على راحة الناس ويحبه الجميع أينما ذهب. وتساءلت وقتها، اذا لم يتبنى ذلك الطفل المسكين -الذي لم يكن له أي يد في قدره- هذان الأبوان الرائعان اللذان راعاه وجعلا منه طبيبا سويا وانسانا رائعا بالفعل لربما كان اليوم واحدا من هؤلاء الذين كلما تقدم بهم العمر يشتد تأزم نفسياتهم إلى درجة يتمنى بعضهم الموت عن حياة يرون فيها عيون الناس وهي ترمقهم بدونية لم يكن لهم سببا فيها ويسمعون ما يصم آذانهم عندما يشار إلى أصلهم وفصلهم.

 لن اتوقف هذه المرة أمام الأرقام المتزايدة لهؤلاء، ولن أقع في فخ إثبات إن كانت زيادة نسبة الزواج العرفي والعلاقات الغير شرعية بين الشباب سببا في ذلك أم لا، فنحن أمام أبرياء يعيشون ألما يزداد مع مرور السنين، ويتمنون معه لو بقوا صغارا لا يعرفون من هم ولا من أين أتوا.

 حان الوقت للنظر إلى مستقبل هؤلاء الأبرياء ومسار حياتهم أكثر من مجرد إيوائهم ورعايتهم، فمجتمعاتنا في أشد الحاجة إلى خطط استراتيجية، بل ومنهجية في كيفية التعامل مع هذه الفئة ودمجها اجتماعيًا و كسر الصورة النمطية المرتبطة بها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com