ميمونة تعرف ربي، وربّي يعرف ميمونة

ميمونة تعرف ربي، وربّي يعرف ميمونة

وئام غداس

تقول الأسطورة أن ميمونة امرأة وحيدة كانت تعيش في جزيرة نائية، ولأنها كانت جاهلة فقد تعسر عليها تعلّم كيفية الصلاة، ميمونة كانت تُحبّ ربها كثيراً وراغبة في رضاه ومحبّته من أجل ذلك كانت تشعر بذنب كبير إذ أنها لا تُصلّي، قرّرت ابتكار صلاة خاصة بها، وكانت واثقة أن الله سيقبل صلاتها تلك، بدأت ميمونة ومع بداية غروب الشمس كل يوم تذهب إلى مكان قصيّ في الجزيرة، خالٍ من كل البشر، تكون قبل ذلك قد اغتسلت من مياه النهر في الطريق، ترفع يديها عاليا نحو السماء، تغمض عينيها وتبدأ في الإبتهال إلى الله بهذه الكلمات البسيطة: ميمونة تعرف ربّي وربّي يعرف ميمونة، ميمونة تعرف ربي وربي يعرف ميمونة، مرّات عديدة حتى تنتهي الصلاة.

 كم شخص الآن من بينكم سيسخر بين نفسه وبينه من صلاة ميمونة، لكن أكثر من ذلك كم شخص سيزعم أنها باطلة، ما أودّ تأكيده أن التكهن أوالحكم هنا لن يكونا موضوعيين، وبالطبع ليسا مؤكدين على الإطلاق، ربّ النوايا أدرى بالذي يخرج من قلب صادق والذي يخرج من قلب مُكلّف، أقصد أنّ الواجبات الدينية كغيرها من الواجبات الأخرى قد تكون أحيانا جزءاً من روتين أو ضرورة لا مناص من القيام بها، لكن بين كل المصليين وأولئك الحريصين على إقامة شعائرهم الدينية اليومية – بصرف النظر عن الديانة-، من بين كلّ هؤلاء كم عدد الذين يفعلون بدافع الرغبة وليس الواجب، بدافع المحبّة وليس الخوف؟

 علاقة الإنسان بربّه واحدة من العلاقات شديدة الخصوصية، وليس بإستطاعة أي كان أن يضع نفسه في مكان شخص آخر، هنالك دائما أسرار بين الإنسان وخالقه، أشياء تراها عين الله المجرّدة لكن سيستحيل على عينك المكبّرة أن تراها، تفاصيل متعلّقة بالكائن لا ميزان سوف يصلح أن يزنها سوى ميزان الخالق، لماذا يأخذ كائن قاصر دوراً يتعارض مع حدوده في الرؤية؟ لماذا يسمح لنفسه أن يكفر حدّ التشارك في صفات الله، فيُكفّرُ من يُكفّر ويحكم بالصلاح والتقوى على من يشاء، يقتل ويذبح ويقطع الرؤوس يعاقب ويسبي ويأسر، كلّ هذا بإسم الله، وربّ ميمونة كان ودوداً غفوراً رحيماً ..

 هنالك عصر دمويّ اليوم، تُغذيه عناصر شتى، وحسابات قد لا يقتضيها السياق، لكنّي سأكتفي بثقافة التكفير المستشرية اليوم في الوطن العربي، هذا الطاعون الذي يسري في كامل هواء المنطقة، يحوّل الحياة إمّأ إلى موت أو جحيم، والأوطان إلى خرائب، المتطرفون الجدد يبتكرون أساليباً جديدة في فهم الدين ويحاولون بلغة العنف وحدها ومنطق الإجرام فرض فهمهم على كل البشرية، يسحبون المنطقة إلى قرون سحيقة، بل وأكثر من ذلك حتى القرون السحيقة بدؤوا يدمرون تاريخها ويدفنون ذاكرتها، بدءاً بتحطيم تماثيل العهد الآشوري في العراق وصولاً إلى مجزرة متحف باردو بتونس، هناك هدف عميق في إقتلاع الجذوروتحويل الإنتماء وفرض عقيدة وإتجاه.

لا يمكن تفسير عقل المتطرّف، المتكلّم بإسم الله وهو يرتكب أفظع الكبائر، مامن تفسير منطقي، ولا جدوى من أي تحليل سيكولوجي أو إجتماعي، لهجة التطرّف والظلامية لا عقلانية في جميع أحوالها، ولن يكون من الفائدة بمكان التعامل معها بمعايير معتدلة، تصلح في معالجة الحالات العادية من الإختلاف أو حتى التناقض، نحن اليوم نواجه مسخاً يعاني من جنون الصوابية وإستبداد الشعور بالأحقية في عالم قادر على إحتواء كل التناقضات في الفكر والعقيدة والإيديولوجيا، هذا شأن سياسيّ، لكن كأفراد بسطاء لن نستسلم حتى الموت عن حقّ ميمونة أن تُصلّي لربّها كيفما شاءت.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com