”بك المختارة“

”بك المختارة“

 يوسف ضمرة

 عُرف عن الزعيم الدرزي اللبناني وليد بك جنبلاط، تقلبه ”وتكويعاته“ التي أصبحت مقرونة باسمه، وصار مضرب المثل في هذا الأمر؛ فكما تقول العرب“أحمق من هبنّقة“ يمكن القول“ أكوع من البك“.

يمكن اعتبار باريس ”مختارته“ الثانية. فعند البك لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث“ المختارة وباريس والضاحية الجنوبية ـ في الشدائد ـ   وكلما شعر البك أن استشعاره تعثر أو انزلق أو تلعثم، يتجه إلى باريس، من حيث كونها الأم الثانية الخبيرة بشؤون المنطقة، والمختلفة أحيانا مع واشنطن إزاء بعض القضايا، خصوصا الاشتراكية الفرنسية الحاكمة.

يدرك البك أن كل دعواته لدروز سوريا بالتمرد على النظام السوري ذهبت هباء وسدى. ويدرك أيضا هذه المرة أكثر من أي مرة سابقة عليها، أنه لا يستطيع الحج إلى الضاحية، أللهم إلا للتخفيف من عبء حمل خصومتين أو عداءين معا؛ النظام السوري وحزب الله؛ فاسترضاء الحزب قد يكفيه شر غضب سوري مقيم ـ معلن ومستتر ـ خصوصا أن اللعبة السياسية اللبنانية تقتضي التغاضي عن الكثير لكف قلم أو محطة فضائية.

من الضروري أن نؤكد أن حرص البك على طائفة الموحدين العرب، ليس نابعا من إخلاصه للطائفة، وتعاطفه مع فقرائها؛ فالإقطاعيون لا يأبهون بطائفة أو جماعة، ولكنهم متمسكون بها كسلم يرتقون عليه إلى مزيد من النفوذ والسلطة والثروة. وفي هذا السياق يمكننا أن نفهم دعوات البك في بدايات الثورة السورية، أبناء طائفته للتمرد والانشقاق عن الجيش السوري. فهو كغيره من السياسيين العرب، أغرته حكاية“الأسد فقد شرعيته“ التي أخذ يرددها العربي قبل الأمريكي والأوروبي. وأغرته دعوات واشنطن الإعلامية لتسليح المعارضة المعتدلة. لكن أكثر من غرر به هم الفرنسيون والأتراك، اللذين ظلوا متمسكين بحكاية مستقبل سوريا من دون الأسد!

منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وما سمي بثورة الأرز، وظهور فريق 14 آذار، وبك المختارة يتقلب على جنبيه. فتارة تخبره العصفورة أن الغرب عقد العزم على إسقاط الأسد“فيدوزن“ أوتاره ليعزف الهجاء في حزب الله كمقدمة لحفلة الشتائم التي سيقيمها مسبقا على شرف النظام السوري“ الآيل للسقوط“ ويقصر المسافة مع عين التينة“نبيه بري“ تحوطا. وتارة يستشعر أن أصدقاءه التاريخيين الروس، مغرمون بالأسد، وغير مستعدين لمقايضة سوريا، لا بأوكرانيا ولا بأبخازيا أو أوسيتيا الجنوبية، فيهرول نحو الضاحية الجنوبية، بعد أن يبدي تفهمه لقتال حزب الله في سوريا، وينفي أن يكون هذا القتال سبب يقظة الإرهاب في لبنان. هنا يعود بك المختارة بدويا أصيلا، حين يتحول“دخيلا“ على السيد حسن نصر الله، عله يحميه من كوابيس اليقظة التي يستذكرها جيدا، كطلّة رستم غزالة مثلا، أو النمر أو زهر الدين!

صحيح أن للبك منزلا في باريس، وصحيح أنه يقصدها بين حين وآخر للاستجمام، وإراحة البال من ”حرتقات “ السياسة اللبنانية اليومية، إلا أن غيوم باريس لم تتفرق بعد، وأمطارها لا تزال معافاة، ولم تتفتح كل أزهارها، لكي نقول إن وليد بك ذهب للاستجمام.

نتذكر جيدا أن أول تصريحين غاضبين ردا على تصريح كيري القاضي بضرورة التفاوض مع الأسد، كانا من باريس ومن المختارة. إذن فإلى أين؟ إلى فابييوس للاستماع منه عن نوايا الأمريكان الحقيقية من جهة، ولفهم ما قد تلجأ إليه باريس من جهة أخرى، مما ينطوي على رفض لاقتراح كيري. صحيح أن البك يدرك أن هامش باريس ضيق أمام إرادة البيت الأبيض، إلا أن هذا الهامش ـ على ضيقه ـ ربما يؤخر العملية السياسية التي اقترحها كيري، لعل وعسى تتبدل الأمور في رمال الأزمة السورية المتحركة. وربما استجمع البك بعض العزيمة من قرار الائتلاف السوري، الرافض حضور موسكو 2 ، الأمر الذي يعني أن دون اقتراح كيري عقبات لا بد من تذليلها، وهو ما يتطلب وقتا وجهدا، بينما الأزمة السورية مفتوحة جدا على احتمالات متباينة.

تجاهل البك فوز اثنين من طائفته الكريمة؛ أحدهما على قائمة الليكود، والآخر على قائمة ليبرمان“إسرائيل بيتنا“ الأكثر تطرفا وعداء للفلسطينيين، وذهب إلى باريس، عله يعثر على ضالته هناك، فيقلل من نسبة المهدئات قبل النوم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com