السيسي بين النيويورك تايمز والوول سترتيت

السيسي بين النيويورك تايمز والوول سترتيت

 إميل أمين

ضمن اهم الشروط التي لابد وان تتوافر في قيادة اي دولة ثلاثة عناصر هي الحكمة والتدبير والمعرفة ، واظن الثلاثة لا تنفصل ، بل هي سلسلة حلقات متصلة ، وهدفها واحد… خدمة ابناء الوطن باعلى درجة وافضل شان .

تعلمنا التجربة التاريخية ان مصر دفعت ثمنا باهظا في ستينات القرن الماضي بسبب طريق تعاطيها مع الولايات المتحدة الامريكية بنوع خاص  ، فعلى الرغم من وطنيته الرائدة ومشروعه الكبير للعدالة الاجتماعية لا يستطيع محلل مدقق ومحلل للسياسة الخارجية  المصرية ان ينكر ان  الطريقة التي تعامل بها  الرئيس عبد الناصر لم تكن تنتمي الى السياسات الواقعية باي شكل ، ولهذا كانت لغة التحدي والتصدي :“ سنحارب امريكا وما وراء امريكا ”، في مقدمة الاسباب التي عجلت بهزيمة العام 1967 وضياع غالبية شبه جزيرة سيناء ، ولولا حكمة وحنكة الرئيس السادات لما  عادت الى مصر .

هل تعلم المصريون الدرس ؟

 اغلب الظن ان ذلك كذلك والدليل على ذلك التصريحات الاخيرة التي ادلى بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لصحيفة الوول ستريت جورنال ، والتي جاءت بعد افتتاحية   لصحيفة النيويورك تايمز وجهت الاتهامات وكالت الاساءات للسيسي ونظام حكمه .

مقال النيويورك تايمز فيه سم ناقع تجاه مصر ورئيسها بل يحمل السم في العسل كما يقال ، اذ يشير الى  ان مصر القوية والمستقرة والمزدهرة هو حتما في مصلحة المنطقة والولايات المتحدة ، ولكن بتاييدها لحكومة البلاد التي تصفها بانها تزيد استبدادها  بدون مسائلة  فان الولايات المتحدة  تتبع سياسة  بلا مبدا  وخطيرة .

عطفا على ذلك فان المقال يحمل مغالطات واقعية عديدة اذ يتهم الحكومة المصرية بان ليس لديها  النية في بناء مؤسسات ديمقراطية او تحمل الاراء المعارضة ، وهو امر ينافي ويجافي السعي الحثيث لبناء مؤسسات الدولة ، والاعداد الجيد القانوني للبرلمان القادم ، حتى وان تم تاجيل اجراءاته لكي ياتي دونما شائبة تشوبه .

وبحال من الاحوال فان المقال ايضا يتخذ كل السبل التي تهاجم مصر وتطالب بوقف المساعدات الاقتصادية ،والعسكرية على حد سواء ، بل يستنكر كتاب هيئة تحرير الصحيفة الامريكية الشهيرة ، العلاقة القوية بين المؤسسة العسكرية المصرية والبنتاجون ، ويكاد التحريض يصل الى دائرة حث المستثمرين الذين جاءوا الى شرم الشيخ من انحاء العالم للتراجع عن مسعاهم .

كان يمكن لهذا المقال وغيره من المقالات المشابهة ان يدفع صانع القرار في مصر الى  الرد بقوة وقسوة وبلغة خشبية على الامريكيين لو كنا في زمن اخر ، غير ان ردود الرئيس السيسي  الاستراتيجية جاءت لتصب في اتجاه اخر ، اتجاه يطلق عليه علماء النفس والاجتماع ، التعامل مع الند او الخصم بافضل المزايا التي فيه ، اي طريق غلبة الشر بالخير ، لا بالشر الموازي .

كيف جاء الرد السيساوي ؟

عبر صحيفة الوول ستريت جورنال ومن خلال حوار مطول كان القصد منه بعث رسالة الى  الراي العام الامريكي قبل ان تكون الرسالة الى ادارة اوباما التي ستكشف الايام عما قريب عن اسباب عدائها لمصر و السيسي .

في حواره يؤكد السيسي على الاهمية الواقعية والتاريخية للولايات المتحدة الامريكية ، وكيف ان لها مسؤولية تاريخية حول العالم ، وهو حديث يرضي الغرور الامريكي ولا يختزل من الكرامة  المصرية ، وابعد من ذلك يشير السيسي الى عمق العلاقات المصرية الامريكية واهدافها  الاستراتيجية وهي حقيقة باقية ، وتثبت الايام والاحداث صحتها وتعرف الجهات الفاعلة في واشنطن قدرها .

لم يستغل السيسي حوار الوول ستريت جورنال ليكيل الاتهامات لواشنطن  او ليوبخها ، بل انه لم يلجا الى سياسة اللعب على المتناقضات ، بمعنى التهديد بورقة العلاقات الاخذة في النمو من جديد ، بين القاهرة وموسكو ، الامر الذي يكسبه احتراما خاصا في عيون صناع السياسة  الامريكية الخارجية بنوع خاص .

ذكاء السيسي الاستراتيجي تبدى في رفضه لاختزال العلاقات المصرية الامريكية في الحديث عن صفقة اسلحة او طائرات متاخرة ، بل وصل به الامر الى القول انكم لو ادرتم ظهوركم لنا نحن لن نفعل .

اي لغة مختلفة استخدمها السيسي ؟ المؤكد ان حوار الوول ستريت سيكون له اثر ايجابي كبير ، فمصر تعلمت الدرس جيدا ، وقائد مصر اليوم يتحدث لغة عالمية ، وسيبقى على  الامريكيين ان عاجلا او آجلا الاقرار بصدقية الرجل وحكمته .

 يؤمن السيسي ان الجواب اللين يصرف الغضب .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com