لماذا لم تحبني القاهرة؟ – إرم نيوز‬‎

لماذا لم تحبني القاهرة؟

لماذا لم تحبني القاهرة؟

محمد بركة

لماذا لم تحبني القاهرة ؟

أتساءل – أنا القادم من الريف الجواني – وأنا أتأهب للعودة إلى العالم الخارجي كما يعود القاتل إلى مكان الجريمة.

أغادر مكتبي بخطوات بطيئة مثل  “ خيال مآتة “ عجوز  وأفكار تتطاير مثل خفافيش  فقدت بوصلتها  الطبيعية.

أنشط فجأة حين أدلف إلى “ المقبرة الكهربية “ المسماة أسانسير.

أعرف أنه يمكنني الآن أن أمارس بعض حركات الأكروبات مستنداً على القوائم الحديدية داخل الحيز المعدني الضيق، وقبل أن يشير الضوء الأحمر إلى حرف G معلناً الوصول إلى الطابق الأرضي، أكون قد اعتدلت وارتديت القناع المناسب لاستقبال بشر العاصمة، أوقع في جدول الانصراف دون أن أعرف كيف احتملت الحياة في هذه المؤسسة  المهيبة 8 ساعات، أرد بوقار يليق بشخصية مهمة على تحية موظفي الأمن وهم يودعونني أمام البوابة الإلكترونية.

          أول من يصافح عيني بك محترم انحنى على جدار “ مسرح الجلاء “ وتفيض ملامحه بالسعادة والخلاص وهو “ يفك أزمته “  في نفس الموضع الذي تحول بمرور الوقت إلى “ مبولة “ لعابري السبيل بوسط البلد.

إنها ميزة أساسية ينفرد بها هذا المسرح وتتجاهلها إعلانات التليفزيون حين تشير إلى عروضه بعبارة : “ على مسرح الجلاء، مكيف الهواء ”.

 قررت التمرد  في رحلة القيام بزيارة لصديق قديم فذهبت إلى محطة المترو تاركا سيارتي بساحة الانتظار المؤمنة جيدا .أسرع الخطي هرباً من فيض الروائح العطرة.

الموظف في شباك التذاكر يرمق باحترام بطاقة عضوية  النقابة التي أنتمي إليها رسمياً منذ 10 سنوات ولم أدخل مبناها الفخم الذي أنشأته القوات المسلحة سوى عدة مرات  مضطراً، يبدو الموظف كما لو كان يلوم نفسه على اللهجة غير الودودة التي طلب بها الإطلاع على البطاقة  قبل أن يقطع لي  تذكرة بنصف السعر.

صوت متثائب يتصاعد فى أرجاء المكان : حضرات السادة الركاب.. القطار المتجه إلى خط حلوان هو الأخير، وعلى السادة موظفي التذاكر مراعاة ذلك.

الركاب المتحفزون على الرصيف لا يبدو أنهم في حاجة إلى مثل هذا التنبيه، يتأخر القطار ويمتلئ الرصيف بالمزيد، لكنى اعتدت على فكرة البحث عن موطئ قدم وسط كتلة اللحم التي تُطبق على أنفاس القطار المسكين في رحلته الأخيرة. أحاول عبثاً منع الأقدام من أن تدوس حذائي.

لا أحد يعتذر.

رائحة العرق المعتَّقة تزكم أنفي، لا أحد يبدو مشغولاً بذلك غيري. العيون من حولي تعطى نفس التعبير الذي تعطيه عيون أسماك ميتة فى أسواق الهايبر.

رغم كل شيء، ثمة سنتيمترات شحيحة تشكل فجوات فاصلة بين رجال يباهون الأمم بكروشهم ونساء يخفين تهدل صدورهن. في هذه السنتيمترات ينبثق فجأة بصوته الهادر الذي لا يتناسب مع ضآلة جسده : اقرأ معجزات الرسول يا كابتن!.. وهبة الكتاب جنيه يا باشا.. 50 معجزة يا مدام.. المعجزة الواحدة بقرشين يا بيه!

ويترك في يد كل راكب نسخة من كتيب مرسوم على غلافه الملون جذع شجرة يبكى. يختفي الولد البائع في الزحام ثم يظهر مرة أخرى يجمع الكتب بنفس السرعة والحماس الذي وزعها به. لا يبدو متأثراً برد فعل الركاب السلبي، فلا أحد اشترى أو على الأقل تصفح الكتيب من باب الفضول.

          هل دار بخلد الفرنسيين وهم ينشئون مشروع مترو الأنفاق فى مصر أن يلاقي هذا المصير الرائع بعد سنوات قليلة من انجازه : اللافتات التي تضم أسماء المحطات تمزقت والبطانة الجلدية فى الأبواب تآكلت بفعل الأمواس والمطاوي. العقد النفسية التي يعانيها طلبة الثانوي والمعاهد الخاصة ظهرت ــ طبقاً للتقليد المصري القديم ـ على المقاعد من خلال فنون الشخبطة والتشويه، لا لشيء سوى أن هذا المترو “ بتاع الحكومة “ وبالتالي فلابد أن يُعامل معاملة خاصة تليق بالمقام!

          الفرنسيون على أية حال أُناس طيبون، يحبون الفنون ويغرمون بالتاريخ، لكن مشكلتهم أنهم يصدقون سريعاً كلام المسئولين، في بلاد العالم الثالث، قيل لهم : الفراعنة بنوا الأهرامات وأنتم ستبنون مترو الأنفاق فأخذوا الموضوع على محمل الجد واقترحوا أن تضم المحطات الرئيسية نماذج لتماثيل متنوعة تمثل الحضارة المصرية القديمة، ولم يدر بخلدهم أن التماثيل سيغطيها التراب وستأكلها الأملاح والرطوبة ولن يفرق الركاب بعد فترة وجيزة بين صناديقها الزجاجية وبين عساكر الأمن المركزي المنتشرين على أرصفة المحطة بزيهم الأسود.

          باعة البرتقال فى جلبابهم الصعيدي يحاصرونني ببضاعتهم الرخيصة فور خروجي من المحطة. أتوقف فقط عند محل مخبوزات لأشترى منه بيتزا بالخضروات، أعرف من فرط رخص سعرها كم هي رديئة.

          أستدير في طريقي لبيت صديقي وأنا أتهادى بمحاذاة السور الشاهق لسجن “ طرة “ بلونه الطوبي. أتجنب النظر إلى الجندي الواقف بزيه الكاكي في برج المراقبة، لم أخبركم أنني أسكن في العمارة الوحيدة بالعالم التي تقف بشرفتها فترى واحداً من أقدم أنهار الدنيا أمامك والمساجين يؤدون طابور الصباح خلفك، وإلى وزارة الداخلية يعود الفضل فى هذه اللفتة السياحية الكريمة، فقد وعدت بنقل السجن أثناء البدء في بناء عمارات الشرطة أو “ مساكن الضباط “ ــ على حد تعبير الأهالي هناك ــ وحين اكتمل البناء وتم تسكين الشقق، بقي الحال كما هو عليه..

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com