الآثار و“قلة الأصل“

الآثار و“قلة الأصل“

عندما زرت الولايات المتحدة للمرة الأولى قبل نحو ربع قرن، أخذنا عميد كلية الإعلام بجامعة بوسطن في رحلة طويلة لرؤية ”أثر“ أمريكي قديم. وحين شاهدنا الجسر الخشبي وتاريخ انشائه قلت بعفوية إن جسرا على الترعة أمام دارنا في قريتي اقدم منه.

وما زلت أذكر لون وجه الأستاذ ومن معه من الأمريكيين وكيف امتقع غضبا وحنقا، والضغط لابتسامة صفراء وتعليقات مقتضبة عن مصر وآثارها.

تذكرت ذلك مع التغطية الإعلامية الواسعة لتدمير داعش لآثار العراق ومتاحف المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة.

ورغم أن مجرد الصراخ بان الإرهابيين يدمرون الاثار أمر ايجابي، إلا أنه غير ذي فائدة في النهاية سوى زيادة وتيرة السب واللعن على داعش وأمثالها وترسيخ فكرة أن المتطرفين الإسلاميين يعادون الفن والتاريخ ويدمرون الآثار.

للأسف الشديد لم اشاطر الجموع تلك الموجة الصاخبة من العويل على ”آثار العراق وتاريخه“، فقد رأيت بأم عيني آثار العراق تباع على أرصفة فيينا أيام الحصار وقبل حرب الغزو والاحتلال.

ومع حرب الغزو والاحتلال كان الأمريكيون يتعمدون قصف وتدمير كل مكان في العراق به آثار، ناهيك عن تفجير ما نجا من القصف بعد الاحتلال وبالطبع تسهيل سرقة وتهريب ما أمكن.

ومنذ بدأت الحرب في سوريا قبل نحو أربع سنوات، وآثار سوريا عرضة للتدمير والنهب ليس من قبل متطرفين فقط ولكن من قبل كل جماعات القتال الأخرى، ناهيك عن التهريب كمصدر للتمويل.

ومؤخرا، تشهد آثار ليبيا الرومانية والفاطمية تدميرا ممنهجا على يد انصار الشريعة وفجر ليبيا وغيرها من الجماعات التي تحظى أغلبها بدعم غير مباشر من الغرب.

وقبل كل هذا، دمرت كل آثار أفغانستان بالقصف الأمريكي والدولي وتخريب طالبان و“المجاهدين العرب الأفغان“ .. لكن العالم لم يفزع إلا عندما فجرت حكومة طالبان في السادس والعشرين من فبراير 2001 تمثال بوذا في باميان.

وبدا للعامة أن طالبان هم من محوا آثار أفغانستان، وكأن هناك ما قد بقي منها بعدما سوتها القذائف الأمريكية ونيران التحالف الدولي بالأرض (ونهب وهرب منها ما خف حمله وعلا ثمنه قبل ذلك).

ويبدو لي ـ للأسف الشديد ـ أن طالبان وداعش وامثالهما مجرد عصابات تنظيف إجرامي تقوم بمهمة ”فرقعة إعلامية“ تغطي على الجريمة الأكبر بحق تاريخ البشرية التي يرتكبها الأمريكان والغرب بحق آثار الانسانية.

واظنها ـ والله أعلم ـ عقدة نفسية عند الأمريكيين الذين يشعرون كدولة وأمة بما يمكن وصفه ”قلة الأصل“ أمام آثار دول ضاربة في التاريخ كما في منطقتنا.

يا الله …

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com