سادية ونفاق

سادية ونفاق

يوسف ضمرة

أوروبا والغرب عموما، يتعاملون مع القضايا العربية بوقاحة وصلف؛ فهم يتباكون على حريات مجتمعات عربية وحقوق إنسانية مهدورة، وفي الوقت نفسه يصرون على تجاهل جرائم الإبادة التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين. وهم أيضا يقولون شعرا في حرية السوريين أمام استبداد النظام، وفي الوقت نفسه، يدفعون آلاف المقاتلين ليعيثوا فسادا وقتلا وحرقا في الشعب السوري، مدنيين وعسكريين. ولا أحد يعرف كيف استيقظ الضمير الأوروبي فجأة. وهم عملوا على تدمير ليبيا لأجل سرقة نفطها، ولو أدى ذلك إلى جعلهم يقتلون مئات الآلاف من الليبيين بدعوى تحرير الشعب الليبي من الاستبداد؛ يا له من تحرير!

واليوم، تواصل أوروبا صمتها أمام تناحر الفصائل الليبية وقتالها، طالما ظلت حقول النفط الليبي الفاخر آمنة، وتواصل الضخ عبر المتوسط نحو الموانئ الأوروبية.

وبكل صلف يعلن الإعلام أحيانا عن طائرات مجهولة تقوم بقصف مواقع ليبية! كان يمكن قول ذلك في العصور الوسطى. وكان يمكن أن تعزو أوروبا هذا القصف إلى قوى غيبية أو ما ورائية. أما اليوم فلا يوجد عاقل قادر على تصديق حكاية الطائرات المجهولة، في الوقت الذي ندرك أن رادارات متطورة تستطيع اكتشاف الطائرة فور تشغيل محركها، لا فور إقلاعها.

اما آخر ما تفتق عنه الذهن الفرنسي الإيطالي المشترك، فهو القيام بعملية أمنية محدودة في ليبيا؛ والسبب كما يقولون: اقتراب الإرهابيين من الشواطئ!

يمكن المرء أن يلطم وجهه أمام سبب كهذا، حيث ليبيا“سكانيا“ كلها على الشواطئ، من طبرق إلى غرب طرابلس، مرورا بسرت. وباقي المجاميع السكانية في الداخل، تتشكل من قبائل بدوية صحراوية. وبالتالي فالقول إن الإرهابيين اقتربوا من الشواطئ، يمكن أن يكون نكتة سمجة غير مضحكة على الإطلاق. فبني غازي التي أثقلتها فرنسا وإيطاليا بالأسلحة، هي على شاطئ المتوسط، ”وثوار مصراتة والزنتان“ في طرابلس. أي على شواطئ المتوسط. فعن أي شواطئ يتحدث الفرنسيون والإيطاليون؟ إنهم بلا شك يتحدثون عن سدرة ورأس لانوف، ولكن ذريعة محاربة الإرهاب جاهزة كمنديل الحاوي في جيبه.

أكثر من مليون عراقي قتلوا في الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، ناهيك عن ضحايا حرب مجنونة استمرت 8 سنوات، قام الغرب بتسعيرها ولم يحرك ساكنا لإيقافها. وأكثر من ربع مليون قتيل ليبي بقصف الناتو، ناهيك عن المهجرين وتدمير ليبيا ووضع اليد على نفطها المميز بجودته الفائقة. وقرابة ربع مليون ضحية سورية، ولا يزال الفرنسيون والأمريكان يدربون مقاتلين ويرسلونهم إلى سوريا، ولا توجد بادرة حقيقية أوروبية أمريكية للبحث عن حل سياسي، بوصفه الطريقة الوحيدة لوقف شلال الدم السوري. فأي إرهاب تخافونه في ليبيا؟ ومن الذي سلح هذه المجاميع على طول الشاطئ الليبي المتوسطي، بحيث لم تبق قبيلة أو بلدة ليبية إلا وأصبحت مستودعا للسلاح بأنواعه كلها؟

من المخجل لنا كعرب أن نلاحق الإعلام الغربي أو نصدقه. إنهم يكذبون ليل نهار، ويقتلوننا بسادية مفرطة. ويسرقوننا أمام أعيننا بحجة الدفاع عن حريتنا وسيادتنا. تماما كما دافعوا عن سيادة مصر وشعبها عام 56 حين أمم عبد الناصر قناة السويس!

لا تبحثوا عن الإرهابيين في ليبيا أو أي مكان آخر؛ الإرهاب الحقيقي والمنظم موجود في الدوائر السياسية والعسكرية والاقتصادية في أمريكا والغرب عموما. ويكفي هذا التشاطر الذي امتد لأكثر من قرن كامل. وليس أدل على ذلك من السماح لمنظمة“بيغيدا“ العنصرية، بتنظيم مظاهراتها في أوروبا، مطالبة بطرد المسلمين ومحاربة الإسلام، بذيعة محاربة الإرهاب نفسها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com