كورونا والحلقة الأضعف

كورونا والحلقة الأضعف

تاج الدين عبد الحق

حتى الآن، لا تتوافر معطيات كافية لتقدير مدى جدية الولايات المتحدة في تحميل الصين مسؤولية انتشار وباء كورونا، وفي إمكانية مطالبتها بالتعويض عما لحق بها وبالعالم، من خسائر مباشرة وغير مباشرة جراء تفشي المرض في مختلف أنحاء الكرة الأرضية.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية قد اختارت الحلقة الأضعف في المواجهة مع الصين، فسارعت لاتهام منظمة الصحة العالمية بالتستر أو التواطؤ مع بكين، لإخفاء حقيقة المرض ومدى خطورته، ومدى سرعة انتشاره وآليات هذا الانتشار، لتعلن لاحقا عن قطع مساهمتها في ميزانية المنظمة والتي لا تزيد عن 500 مليون دولار، وهي مساهمة لا تشكل في كل الأحوال شيئًا، في بحر التريليونات التي دفعتها لمعالجة آثار الوباء في مختلف مجالات الحياة الأمريكية.

مساهمة الولايات المتحدة في ميزانية منظمة الصحة العالمية، هي الكبر ى، لكن قطع هذه المساهمة السنويه، ليس أكثر من خطوة رمزية، تهدف إلى إعطاء التهديدات الأمريكية بملاحقة الصين بعدا جديا وصدى سياسيا يتجاوز الصدى الإعلامي الذي تركته الاتهامات الأمريكية للمنظمة العالمية.

خلافات الولايات المتحدة مع الصين لم تبدأ مع جائحة الكورونا، لكن الوباء -بما يتركه من أثر على مظاهر الحياة في مختلف أنحاء العالم – يشكل ”منبرا “ دعائيا مهمًّا للولايات المتحدة؛ لتصفية حساباتها القديمة والجديدة مع الصين. فالعالم مشدود إلى ما يحدثه الوباء من كوارث إنْ على الصعيد الإنساني أو على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي؛ ما دفع واشنطن لجعل الوباء نقطة انطلاق لفتح الملفات المعلقة أو المؤجلة مع الصين، والتي تتجاوز في تعقيداتها وتفاصيلها ما أحدثته الكارثة الصحية العالمية من آثار وتداعيات .

الصين تعلم أنها ليست لقمة سائغة للاتهامات الأمريكية، كما أنها لم ولن تكون صيدًا سهلًا للعقوبات الاقتصادية والمالية والتجارية؛ إنْ حاولت واشنطن تسييس الخلاف بشأن المتسبب في انتشار الوباء، لكن الصين—مع ذلك — تدرك أنها لا تستطيع أخلاقيًّا ولا اقتصاديًّا تحمّل تبعات حملة الاتهامات الأمريكية، إنْ تمكنت واشنطن من حشد التأييد والمساندة الدولية لهذه الحملة.

فعشرات الآلآف ممن كانوا ضحايا للوباء، يمثلون عبئًا وتشويهًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا لأي أمة، وأي قوة مهما عظمت مكانتها وكبر دورها، فضلًا عن كون الأمر سيكون مقدمة لتحمّل تبعات اقتصادية ومالية عالمية، تنوء الصين بحملها حتى في ظل البحبوحة الاقتصادية التي تعيشها .

الولايات المتحدة من جانبها، لا تملك فرصة كبيرة لوضع الصين في قفص الاتهام، فهي تعلم أن الصين أكبر من إيران، وحتى من روسيا، وهي إنْ نجحت في فرض عقوبات على طهران، وموسكو، فإن أي عقوبات مماثلة على الصين، مستحيلة وغير ممكنة، وقد تلحق ضررًا بالولايات المتحدة أكثر من الضرر الذي ستلحقه بالصين، ناهيك عن الضرر الذي سيلحق بحلفاء أمريكا من الدول الغربية في أوروبا أو غيرها من مناطق العالم الحيوية إنْ سياسيًّا أو اقتصاديًّا .

لكن الإدارة الأمريكية —حتى لو لم تتحول حملتها على بكين ،إلى قرارات دولية، وأحكام قضائية كتلك التي تهدد بها بعض الدوائر القانونية الأمريكية – فإنها تأمل فيما يبدو أنْ يشكل الضغط باتجاه تحميل الصين وزر الوباء، مدخلًا لتسوية الخلافات السياسية والتجارية، حول الملفات الأخرى مع بكين.

المعضلة التي تواجه الخلافات الأمريكية الصينية، بعدكورونا، أنَّ هذه الخلافات أخذت طابعًا عالميًّا . فالعالم الذي توحد من أجل مواجهة الوباء، ليس مستعدًّا الآن ، لشكل جديد من الاستقطاب الدولي الذي يقسم العالم مرة أخرى ويؤجج خلافاته القديمة، فالكل مشغول بلملمة الجراح التي خلفتها الجائحة، والتي باتت مواجهتها أكبر وأضخم من قدرة الدول منفردة.

حل الخلافات بين الصين والولايات المتحدة هو المدخل لعلاج الآثار التي خلفها كورونا حول العالم، وإذا لم ينجح البَلدان في التوصل إلى حلول مقبوله، وإذا لم يبديا الاستعداد ، لقبول الحلول الوسط وتقديم التنازلات، فإن وباء كورونا سيكون الحلقة الأضعف في أزمة عالمية تتفاقم باستمرار، تمامًا كما كانت منظمة الصحة العالمية هي الحلقة الأضعف في المواجهة مع وباء كورونا، وفي توزيع الاتهامات عن المتسبب به والمسؤولية عن نتائج انتشاره.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com