أسامة هيكل يكتب لـ“إرم“.. حروب الجيل الرابع والشرق الأوسط

أسامة هيكل يكتب لـ“إرم“.. حروب الجيل الرابع والشرق الأوسط

أسامة هيكل*

منذ أن عرفت البشرية الحروب، والمواجهات تتم بين القبائل وبعضها البعض، ثم ظهر مفهوم الدولة، وأصبحت الحروب وسيلة لفرض إدارات الدولة، باستخدام الجيوش المسلحة.

وظهر سباق محموم، في تطوير وسائل الحرب، من الخنجر والسيف قديماً، إلى الدبابة والطائرة والصاروخ والأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية.

وكما تتطور الأسلحة، تتطور أنماط الحروب، وقد تطورت بالفعل عبر أجيال أربعة، الأول منها هو الحرب التقليدية بين قوتين مسلحتين أو أكثر، في مواجهات مباشرة، ثم نشأ الجيل الثاني، وهو حرب العصابات، والتي ظهرت بوضوح في أمريكا اللاتينية، وترتبط هذه الحروب بتجارة المخدرات والسطو المسلح وغسيل الأموال والإتجار بالبشر، أما الجيل الثالث، فهو الحرب الاستباقية الوقائية، والتي بدأها ”ادولف هتلر“ في الحرب العالمية الثانية، عن طريق الالتفات والقتال خلف جيش العدو.

وخلال الأجيال الثلاثة، كانت وسائل الخداع تستخدم للتمويه على الخصوم المتحاربة، وهز الثقة بينها، فيما عرف باسم الحرب النفسية، والتي كانت تستخدم قبل وأثناء العمليات الحربية.

أما الجيل الرابع من الحروب، فقد نشأ مع ظهور علم إدارة الأزمات عام 1962، بعد أزمة الصواريخ الكوبية الشهيرة، وحينما أعلن روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع الأمريكي انذاك، أنه لم يعد هناك مجال للحديث عن إستراتيجية عسكرية، ولكن الحديث للسيناريوهات وإدارة الأزمات، وهو ما نتج عنه علم إدارة الأزمة، وتطوره فيما بعد.

وقد تطور الأمر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وإعلان النظام العالمي الجديد، لندخل عملياً في عصر الجيل الرابع من الحروب، والذي يشهده العالم حالياً، ويعتمد على التدمير الذاتي للدول، دون الحاجة لتدخل قوة عسكرية من الخصم، أو بمعنى أدق هي حروب تعتمد اعتماداً كلياً على فكرة السيناريوهات والخطط المعدة مسبقاً، لشن حرب نفسية وذهنية من داخل الدول المستهدفة، استغلالاً للتطور التكنولوجي المذهل في وسائل الاتصال والإعلام، والتي لم تعد تعترف بحدود سياسية للدول، واستغلالاً أيضاً لحالة الاحتقان السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل الدول المستهدفة.

وقد كان أول استخدام لمصطلح حروب الجيل الرابع، في عام 1989، من قبل بعض القادة العسكريين الأمريكيين، لوصف الحروب التي تعتمد على مبدأ اللامركزية، دون الحاجة لتحريك جيوش، ثم استخدام هذا المصطلح ماكس مانيورانج، الأستاذ بمعهد الدرسات الإستراتيجية بكلية الحرب الأمريكية، ووصفها في محاضرة له بأنها ”حرب بالإكراه لإجبار العدو على الاستسلام والخضوع، دون الحاجة لاستخدام قوات نظامية“، وانتهى من شرح فكرته بأنها ”حرب تستهدف إفشال الدولة المستهدفة ببطء وثبات، حتى نتمكن في النهاية من إحكام السيطرة عليها، وفرض إرادتنا عليها“، وهو الهدف الحقيقي للحروب النظامية، وأن أهم سلاحين في هذا الجيل من الحروب هو سلاح العقل والمال، وليست قوة النيران.

وكان أول من استخدم هذا المنهج عملياً ”جاريد كوهين“ الذي يعمل بموقع جوجل الشهير، والذي لعب دوراً في إثارة القلاقل داخل إيران عام 2009 م، وفشلت هذه المحاولات نتيجة كشف المخابرات الإيرانية لمخططه، عن طريق مكتبها في لبنان، ولكن تجربته تم الاستفادة منها في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى فيها بعد، ولم تخف الولايات المتحدة حقيقة ما كانت تخطط له، فقد أعلنت ”كوندوليزا رايس“ وزيرة الخارجية الأمريكية، ومستشارة الأمن القومي سابقاً منذ 2005 م مصطلح ”الفوضى الخلاقة“، في إشارة لطريقة التغيير التي ستشهدها المنطقة، لكن رغم كل هذا الجدل، الذي يخدم الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، عن طريق تفتيتها إلى دويلات صغيرة.

والسياسة الأمريكية مستمرة ، فقد أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ، في أحد خطاباته: ”أننا نشهد نهاية عقد من الحروب“، وفسرها البعض بأن ”أوباما“ رجل سلام، لا يريد التورط في حروب جديدة، ولكن التجربة أثبتت أنه كان يقصد أن إخضاع الشعوب سيتم فيما بعد، بدون جيوش وحروب تقليدية، ولكن عبر التدمير الذاتي لهذه الشعوب، فقد أعلن في 4 مارس 2011 عقب سقوط نظام مبارك، أن الانتفاضات التي تشهدها المنطقة العربية، تخدم سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، وقال أيضاً: ”القوى التي أطاحت بمبارك يجب أن تتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل“.

ويعتمد نجاح الجيل الرابع من الحروب على عدة عوامل رئيسية، لدى الدول المستهدفة، أهمها انتشار الفساد، والركود الاقتصادي وسوء الأحوال المعيشية، وانخفاض مستويات التعليم، وتفشي الجهل، والتضييق السياسي، وسوء التعامل الأمني، وعدم نزاهة الانتخابات، وهو ما يسبب احتقاناً داخل المجتمع ، ويؤدى إلى ظهور رغبة حقيقية من الشعب في التغيير.

وهذا المناخ يمثل بيئة صالحة جداً لنمو بعض المنظمات والحركات والجمعيات والجماعات الدينية، والنشطاء الحقوقيين والسياسيين، خاصة الذين لا يمانعون في استخدام التمويل الأجنبي، ويتمكنون عبر وسائل الإعلام والاتصال التقليدية وغير التقليدية، من هز ثقة المجتمع في نفسه، وفي قياداته السياسية والدينية، وتسود الفوضى، وينتهى الأمر بتفكيك مؤسسات الدولة، خاصةُ القضاء والشرطة.

أما القوات المسلحة فيكون الهدف اختزال دورها في مكافحة الإرهاب، ومحاولة شغلها عن مهمتها الأساسية، لحماية وتأمين حدود الدولة، وبالتالي تضعف قدرات الدولة على المدى البعيد، وإخضاعها بعدما تكون دمرت قدراتها ذاتياً، دون الحاجة لتدخل عسكري من الدول الكبرى، ودون الحاجة للمغامرة بأرواح أبنائها بنفسها.

وينتهي الأمر عادةً بتقسيم الدولة المستهدفة لدويلات صغيرة، لخدمة مخططات كبيرة، تقودها دول كبرى.

والمتابع لتطورات الأمور، خلال السنوات الماضية، يعرف أن الشرق الأوسط أصبح الملعب المفتوح الآن، لحروب الجيل الرابع، واللوم كل اللوم هنا يقع على عاتق أنظمة الحكم، التي تترك الأمور تتدهور في بلادها، دون محاولة وقف هذا التدهور، فتنطلق الثوارات ضد هذه النظم، ويكون المناخ مهيئاً لإفشال الدولة فيما بعد.

هذا الأمر لا يعني أن المشاركين في الثوارات العربية على أنظمة الحكم الاستبدادية على خطأ، فمن حق الشباب أن يكون له أمل في المستقبل، ولكن الخطر فيمن يستطيعون استغلال حاجة التغيير لدى هؤلاء الشباب، والعمل على استمرار حالة التوتر في المجتمع، حتى تفقد الدولة قدراتها تدريجياً، فتفشل على المدى البعيد، وهؤلاء نسبة قليلة من الثائرين، الذين يريدون التغيير، ولكنهم يجيدون توجيه الأمور في الاتجاه الخطأ، كلما اقتربت من الاستقرار، وهنا ينبغي الإشارة لما يردده البعض في وسائل الإعلام المختلفة، بأن الشعب المصري قد تمكن من وقف المخطط الأمريكي في المنطقة، فالحقيقة أن الحرب مستمرة، وما نجحت فيه ثورة 30 يونيو هو تعطيل هذا المخطط، ولكن حرب الجيل الرابع تستهدف إفشال الدولة ببطء، وعلى المدى البعيد، وهذا يعني أن المخططين لإفشال الدولة المصرية والدول الأخرى في المنطقة، سوف يبدأون في تنفيذ خطط بديلة لاستكمال المخطط، وهو ما يستدعي تعاملاً أكثر حرصاً وأكثر وعياً خلال الفترات المقبلة.

علينا جميعاً كعرب الانتباه لخطورة المرحلة المقبلة، فخريطة المنطقة تتغير، ومن لا يعرف هذه الحقيقة، سوف يخرج من التاريخ، وليس من الجغرافيا فقط.

* وزير الإعلام المصري السابق

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com