ميراث البرابرة !!.. قراءة في تاريخ العنف الإنساني !

ميراث البرابرة !!.. قراءة في تاريخ العنف الإنساني !

عائشة سلطان

في تحليلنا للحالة الوحشية التي يتبعها ”داعش“ في اثبات وجوده وتثبيت أقدامه على أرض الخلافة التي يدعيها في الشام والعراق ،تبدو جملة ملاحظات يقدمها لنا السياق التاريخي لسيرورة الحضارة الانسانية التي كما شهدت مراحل تنوير ونهضة فإنها شهدت مراحل ظلام وانحطاط لا يمكن تصور فجائعيتها، أول هذه الملاحظات هي أنه لم يخل تاريخ الانسانية يوما من متوحشين وبرابرة ظهروا كجماعات متطرفة أو كعصابات غازية، كانوا في حقيقتهم همجيين لا يجيدون التفاهم بغير السكاكين والسيوف وسياسة ”اقتل وأهرب ولا تستمع لغير شهوة الدم ”هكذا كان برابرة القبائل الأوروبية، المغول والتتار، جماعة الاغتيالات السياسية ”عصابة حسن بن الصباح صاحب ”قلعة آلموت“ وفرقة الحشاشين، قوى الاحتلال الاوربي البشع ،محاكم التفتيش في اسبانيا ،حروب التطهير العرقي التي شنها الصليبيون على مسلمي الاندلس وشمال افريقيا، حروب الابادة التي شنها الرجل الأبيض على حضارات الآزتك والأنكا …هؤلاء لم يكونوا أقل وحشية عن ما يفعله جنود تنظيم داعش ،وأن كان منظرو هذا التنظيم يدعون أنهم يتكؤون على منطلقات وتفسيرات دينية من سير الخلفاء والصحابة ، ألا أن تصديق هذه التفسيرات ليس سوى تشويه ممنهج للإسلام السمح والعظيم .

ثاني الملاحظات هي أن هذه الوحشية المتمثلة في قطع الرؤوس وبتر الاطراف والقتل الجماعي والتفجيرات والتهب والسرقات والترويع واغتصاب النساء وسبيهن وبيعهن كرقيق كما حدث مع جماعة الأيزيديين ، ليس سوى استراتيجية ثابتة تضمن لهؤلاء التمدد ومن ثم البقاء أو احتلال الفراغ الموجود على الأرض ،حيث تعتمد داعش شعار ”باقية وتتمدد “ فبماذا ستتمدد؟ بالترويع، فبالترويع تخلى الناس عن دينهم زمن محاكم التفتيش وبالترويع قضى الرجل الأبيض على قبائل بلا حصر من سكان امريكا الأصليين، وبه تمكنوا من الاستيلاء على الأرض وإلغاء اصحابها وفرض سياسة الأمر الواقع وبشكل نهائي ، ولهذا يصر ”داعش على عدم تفويت أي فرصة لبث المزيد من الرعب في نفوس الناس ،وإبراز جنوده بشكل بالغ القوة والهيبة والوحشية ، لمضاعفة حالة الخوف في نفوس المشاهد ، وهو حين يصنع هذه الافلام التي تبث من خلالها الرعب فأنه يعلم سلفا أن ملايين المشاهدين سوف يبحلقون في التفاصيل وسوف يرتجفون ويتقيؤون ولن يناموا ليلتهم تلك وهم يتخيلون جنود داعش المتوحشون يطرقون أبوابهم في أية لحظة !

ثالث الملاحظات هي أن داعش وأي فصيل أو تنظيم أو قبائل بربرية لا يظهر عادة إلا في المناطق المشبعة بثقافة القتل والقمع واستسهال الدم ، فأين ظهر داعش ؟ والقاعدة ؟وطالبان ؟و… ان منطقة الشام والعراق وأفغانستان مناطق قمع وقتال وفتن واغتيالات لا ينتهي ، هذا عبر التاريخ وهذا هو واقع الحال في الوقت الحاضر ،اذن ف ”داعش “ ابن التاريخ والبيئة والفكر القمعي الإقصائي الميال للعنف والدم ببساطة .

رابع الملاحظات يتمثل في ان تاريخنا الاسلامي لم يشهد حالة استقرار سياسي حقيقي إلا عندما كانت الفكرة الدينية بحسب تفسير الفيلسوف الجزائري ”مالك بن نبي “ في أوجها ، بمعنى ان الالتفاف حول الفكرة الرسولية النقية للدين وتمثلها لم يدم طويلا ،وتلاها مباشرة تاريخ طويل من الصراع على السلطة والحكم منذ تواجه الخليفة علي بن أبي طالب مع معاوية بن ابي سفيان ورفعت المصاحف على أسنة الرماح وانقسم المسلمون بين شيعة لعلي وآل البيت وبين مؤيد لمعاوية فيما يخص حقه في الاخذ بثأر عثمان بن عفان ، يومها انشق الصف وتمزقت الأمة وأصبحت السياسة مطية قذرة افرزت تاريخا من القمع والديكتاتوريات ربما ليس آخرها داعش !

أما خامس الملاحظات فهو أن لا نجاة لعالمنا ومنطقتنا من هذا التوحش إلا بدولة القانون ونهج الديمقراطية في تداول السلطة ، وتطهير الانسان العربي والمسلم من لوثاته الحضارية الكثيرة ، لعل أهمها عدم تقبله للخلاف وميله الى إقصاء مخالفيه ونفي معارضيه وفرض رأيه وتغليبه لمصالحه الشخصية حين يتعلق الامر بالوظيفة العامة ومصالح الامة في ظل انعدام سلطة القانون والرقابة وفق آليات صحيحة وموضوعية وصارمة .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com