فقه المؤامرة تحليل أم تدجيل؟ – إرم نيوز‬‎

فقه المؤامرة تحليل أم تدجيل؟

فقه المؤامرة تحليل أم تدجيل؟

تاج الدين عبدالحق

نفهم ونقبل أن تكون المؤامرة تفسيرًا للكثير من الأحداث السياسية، والظواهر الفكرية والاجتماعية. ونفهم أن أي حدث، مهما كان نوعه أو حجمه، لابد له من مقدمات دالة عليه، أو مرتبطة به، وأن الدخان مبعثه نار في مكان ما، وأن النتائج لا تأتي من فراغ ولا بد لها من أسباب تسبقها، أو تداعيات تفرزها.

وفي تاريخنا المعاصر ازدهرت صناعة التنظير والتحليل السياسي الذي يقوم في معظمه على براعة الخطاب وجزالة اللغة، حتى لو كان المضمون ضحلًا، والحجج واهية وغير مقنعة. فكان لأي خطاب سياسي -مهما كان واضحًا- معنى مبطن،  وتفسير خفي يختلف عما هو ظاهر، أو محسوس. وفي معظم الأحيان لم يغن التصريح عن التلميح، وظل هناك معنى آخر، لا يقدر على فهمه إلا من يملك القدرة على فك الأحاجي والألغاز، ولديه خبرة في فهم دلالات اللغة، أو يحسن الربط بين معانيها.

المؤامرة -في الأصل- هي كواليس أي حرب، ومنطلق كل مواجهة، وهي جزء من أسلحة الحرب الناعمة، التي  بها يتهيأ الميدان، وترسَم من خلالها الأهداف القريبة، وتتحدد فيها الغايات البعيدة.

لكنها أخذت عندنا معنى مختلفًا، ووظيفة أخرى .

فمنذ بداية القرن الماضي وحتى الآن، كانت المؤامرة مسمار جحا الذي علقنا عليه كل هزائمنا وانتكاساتنا واخفاقاتنا . كانت هي التفسير السهل والجاهز، الذي اختزلنا به الفشل في إطلاق مشروع حضاري وتنويري، وكذلك الفشل في مواجهة المشروع الصهيوني منذ أن بدأ فكرة في صفوف النخبة اليهودية في أوروبا، إلى أن تجسد مشروعًا استعماريًّا واستيطانيًّا على أرض فلسطين .

تحت عنوان المؤامرة تعايشنا مع أنظمة دكتاتورية وعسكرية عديمة الخبرة والتجربة. سيرتنا شعارات ولافتات ما لبثت أن سيطرت على حياتنا سيطرة قدرية، بحيث باتت من المقدسات والتابوهات التي يحرم علينا المساس بها والاقتراب منها . صار انتقاد التفسير التآمري للأحداث مبعث سخرية، أو دليل تواطؤ، أو علامة جهل.

في مقارباتنا للأحداث، كان التفسير قائمًا على الإقصاء، والاستئثار.

إقصاء الخصوم وإطلاق شتى الأوصاف عليهم، وتحميلهم وزر كل ضعف أو عجز، والاستئثار بالسلطة دون رادع أو وازع، والاستيلاء على الثروة دون رقيب أو حسيب . كان الحديث عن الديمقراطية والمشاركة السياسية -مثلًا-  نوعًا من الترف، ومؤامرة لإشغال الأمة عن معارك التحرير بمعارك سياسية جانبية.

قبلنا بسياسات شد الأحزمة، والامتناع عن الكماليات وتقنين الضروريات، فيما كان الفساد والرشوة يتغولان على المال العام وموارد الأمة، وينشبان -بلا رحمة وبغير هوادة- أنيابهما في مفاصل حياتنا الاقتصادية، معتديين على كل مظاهر الحياة الكريمة ومنتهكين أبسط حقوقنا الأساسية.

وحتى بعد أن تحولنا من الخطاب القومي إلى الخطاب الديني، رفضنا بإصرار تنقية الموروث الديني مما علق به من مفاهيم قاصرة وفتاوى جاهلة، وتمسكنا بتفسيرات مأثورة، وأحاديث مكذوبة.

جعلنا من التفسير بديلًا عن النص، والتأويل المنقول حجةً على الاجتهاد المعقول، والمظهر الخادع  تجسيدًا للجوهر الأصيل.

لجأنا إلى التفسير التآمري بعد أن فضِحت الممارسات، وتواترت الكوارث التي سببها ذلك الركام من كل ما هو منقول، إبراءً للذمة وهربًا من المسؤولية، وكأن ما في كتبنا ومخطوطاتنا، وما في سيرتنا،  وتاريخنا ليس من صُنعنا، وليس بعضًا من ثقافة نتمسك بها، وندافع عنها.

المؤامرة التي كانت تفسيرًا لعجزنا، أصبحت -الآن- سلاحًا بيد أعدائنا. بسببها وقفنا محلك سر، نجتر الماضي بعجَره وبجَره، ونلوك -بلا ملل- الإحباط وقلة الحيلة، وكأننا مسلوبو الإرادة لا نملك التمييز بين ما هو نعمة نحسن استثمارها، أو نقمة نتجنب شرورها. باتت أي محاولة للإصلاح مرتبطة بإرادة الخارج، لا احتياجات الداخل، وأصبحت خطواتنا صدى لإملاءات الآخرين وشروطهم ورغباتهم، وليس تعبيرًا عن أماني الناس وتطلعاتهم.

التفسير التآمري نوع آخر غير التحليل. فالتفسير تعبير عن رؤيا شخصية أو حزبية أو فكرية ضيقة، هدفه الهروب من استحقاق داخلي، أو تغطية عجز في الأداء، وتأمين مخرج من أي اتهام بالقصور، فيما التحليل هو فعل إيجابي يربط بين المعلومات والشواهد، ويخلُص إلى استنتاجات منطقية ومقبولة بهدف درء خطر محتمل، أو إجهاض عدوانٍ منتظر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com