شحرور سباحة عكس تيار الجهل والتطرف – إرم نيوز‬‎

شحرور سباحة عكس تيار الجهل والتطرف

شحرور سباحة عكس تيار الجهل والتطرف

تاج الدين عبد الحق

بدأب لم يعرف الكلل، ومثابرة لم تعرف التوقف، عاش  المفكر التنويري الدكتور محمد شحرور، حياة طويلة ومديدة حافلة بالعطاء. كان يمكن له، وهو يتنطح لقضية شائكة كتلك التي نذر حياته لها، أن يركب موجة المتاجرين بالدين، لكنه فضل الطريق الأصعب، وهي السباحة عكس التيار، ومقاومة الجهل والتطرف.

عندما بدأ مسيرته من أجل تجديد الخطاب الديني، كان خطاب التكفير، وضيق التفسير هو السائد الذي تفتح له الساحات والمنابر، فيما كانت المشانق تعلق  لكل فكر مخالف، أو رأي مستنير.

لم يكن رحمه الله من أولئك الذين أتقنوا اللعب على الحبال الإعلامية، ولم يحاول أن يتكسب مما كان يطرحه من أفكار وآراء، فقد كانت لديه فرص أوسع لو استغل درجته العلمية في الهندسة ومكانته الأكاديمية كأستاذ جامعي متخصص في مجال نعلم كم كان مجزيا في الفترة التي انصرف فيها شحرور للإبحار في عمل شائك وخطر كعمله في تفسير القرآن وتقديم فهم مختلف لنصوصه ومقاصده.

لم يكن صداميا في طرح أفكاره، وفي شرح وجهات نظره، ظل محافظا على مستوى محترم في الحوارات، والمناظرات العديدة التي جرت معه وتناولت أفكاره الجريئة، وكتبه التنويرية العديدة.

كان مستعدا للدفاع عن وجهة نظره بالدليل والحجة، دون أن ينخدع بما يقوله الذين صادروا الدين وجعلوه على مقاس فهمهم الضيق، أو مصالحهم الأنانية.

زاوج بين العلم والإيمان وهو يدافع عن وجهات نظره. جعل من دراسته المعمقة ودرجته العلمية العالية في الهندسة، سلاحا لبناء عقل لايقبل التراث كمسلمات، ولا يقبل التفسير كحقائق نهائية لا تقبل النقض.

تعامل مع قضية التنوير تعاملا جديا، قائما على فهم وتحليل النص، لا الحفظ والصم، دون تدبر من عقل، وسند من علم.

لم يجعل مما قاله الأولون قيدا على عقله وقلبه  وهو يقدم فهمه للقرآن والسنة، فلم يقبل النقل، وانتصر للعقل، حتى في القضايا التي اعتبرها البعض خارج البحث، وفوق النقاش.

كان يقارع الجهل بالدليل المستمد من النص، ولم يكن أسيرا لتفاسير سابقة التجهيز، أو مقولات سابقة الصنع. انتقل بالدين من النقاش حول القشور التي استنفذت جهد المدارس الفقهية المختلفة، إلى جوهر الإيمان، ومقاصده الفكرية والأخلاقية.

عندما طرح تفسيره للقرآن لم يقل إن هذا التفسير له قداسة النص، أو إنه المانع الجامع، الذي لا يقبل التبديل والتعديل. قال ببساطة إن فهم النص الأزلي محكوم بزمانه ومكانه، وإنه بدون ذلك لا يمكن أن يكون صالحا لكل زمان ومكان.

حذر حتى وهو يبدأ للتو رحلته التنويرية الشاقة، أن يؤخذ ما يقوله، من تفسير وتحليل للنص الديني  كأجوبة نهائية، وأنه كما تجرأ على ما وصله من تفسير يقبل بلا جدال من يأتي بعده معارضا لوجهة نظره، ومقدما لإجابات مخالفة أو تفسير آخر.

قوض بقدرة العالم، أولئك الذين جعلوا الدين طقوسا، لا يسندها عقل ولا منطق، وأساطيرا مبنية على الخرافة، والقصص المكذوبة والروايات الملفقة.

في مسيرته العلمية الطويلة، كان وفيا لانتمائه العربي والإسلامي، لم يحاول الخروج على الدين، والتنكر لأثره في وجودنا الحضاري، وحياتنا الثقافية  لكنه خرج على أولئك الذين صادروا الدين وجيروه لخدمة مصالحهم الأنانية وأجنداتهم السياسية.

رحم الله الدكتور محمد شحرور، فقد أضاف لحياتنا الفكرية الكثير من الحيوية، ووضع الكثير منا على أعتاب مرحلة جديدة يستعيد فيه العقل العربي دوره في توجيه مستقبلنا ضمن الحياة الإنسانية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com