القاهرة.. واشنطن والمستنقع الليبي

القاهرة.. واشنطن والمستنقع الليبي

إميل أمين

هل تريد قوى بعينها توريط مصر في مستنقعات عسكرية شرقا وغربا من أجل إنهاك ثم إنهاء الحضور العسكري الفاعل للجيش المصري التقليدي باعتباره الجيش العربي الوحيد الذي لم تطارده لعنة التفكيك بل والتفخيخ التى طالت كلا من الجيشين العراقي والسوري في وقت سابق؟

حكما هذا هو المخطط الذي تحدث عنه ”بن جوريون“ قبل عدة عقود، فمن خلال إسقاط المؤسسات العسكرية العربية تضحى دول العرب فضاء مستباحا أمام الجيش الإسرائيلي وما عداه من جيوش.

يحق لنا في سياق الحديث عن مصر المحروسة التساؤل عما يجري على الجانب الغربي منها، حيث ليبيا الدولة التى كانت، والتى أضحت اليوم وبسبب تدخل الناتو الأرعن فيها بدفع أيادي أمريكية، موقعا جاذبا لكل قوي الشر المجاني من الراديكاليات والأصوليات، عطفا على الجماعات الإرهابية من داعش والقاعدة وما سواها.

المتابع المدقق والمحقق يرى أن هناك سعيا حثيثا لدفع الجيش المصري لعمليات انتقامية داخل الحدود الليبية، لاسيما وأن هناك آليتين لهذا الدفع، الأولى عبر اختطاف وقتل المصريين هناك، وبهذا يريد فصيل ما في الداخل الليبي وبالتعاطي ولاشك مع شريك خارجي له، إظهار القيادة المصرية بمظهر غير القادر على الحفاظ على سلامة مواطنيه في دولة جارة قريبة، ما يدعو في تقدير الكائدين إلى تعميق حالة من الخلاف تؤدي لاحقا لتفكيك الاصطفاف الذي ظهر في 30 يونيو، وهو وهم لو يعلمون.

والآلية الثانية تبدت من خلال عمليات اختراق الحدود المصرية المتصلة من جهة ليبيا، والتى تتصدى لها القوات المسلحة المصرية، وما بين الآليتين ترتفع الدعوات في الداخل المصري، من بسطاء الحال فكريا وماديا داعية السيسي لأن يتدخل في ليبيا، غير أن الأمر لا يستقيم علي هذا النحو، ومصر لا تريد الانجرار إلي شراك منصوب لها، لاسيما في ضوء ما هو آت… ماذا عن ذلك القادم من بعيد يحمل هولا بعينه؟

يتصل المشهد ولاشك بتفويض أوباما الذي طلبه من الكونجرس الأمريكي بشأن مواجهة داعش والقضاء عليه، إذ يلفت الانتباه فيه أمران أو ثلاثة أمور بمعني أدق، أولها أن المجال الجغرافي للتفويض غير محدد، ما يعني أن المواجهة يمكن أن نراها في العراق وسوريا وليبيا في نفس الوقت، ولماذا ليبيا، هذا يقودنا إلى ثانيا، حيث التفويض لا يتصل بداعش فقط بل بكافة التيارات ذات العلاقة الإيديولوجية بالتطرف الديني.

والأمر الثالث هو أن المدى الزمني للتفويض ثلاث سنوات، أي أن أوباما سيترك رئاسته الحالية، لرئيس قادم محملا بأوزار متابعة الحروب التى تشن باسم الإرهاب.

وليس سرا أن ليبيا هي الموقع الأول المرجح لنزول القوات الأمريكية، والتى يشك الكثيرون أن داعش لم تكن إلا أداة لاستجلابها حول العالم والشرق الأوسط بنوع خاص، وكأن القوات الأمريكية تخرج من العراق لتعود إلي ليبيا، من الباب، إلى الشباك وهكذا دواليك.

هل بدأت بعض الأطراف الدولية تدرك أبعاد المشهد؟

ربما كان التصريح الذي صدر عن الحكومة الإيطالية الأيام القليلة الماضية مؤشرا لأن الأوربيين يفضلون القيام بأنفسهم وبالشراكة مع دول الجوار مثل فرنسا ومصر وتونس والجزائر القيام بدور في ليبيا، لا يشترط أن يكون عسكريا بالمطلق، بل مزدوجا سياسيا وأمنيا في ذات الوقت من أجل قطع الطريق على استفحال شرر الإرهاب في ليبيا وانتقاله من ثم إلى الجانب الآخر من المتوسط إلى أوروبا.

تحتاج القيادة المصرية في هذه الأوقات العصيبة إلى ما يعرف بالقرارات السليمانية، نسبة إلي سيدنا سليمان أي تلك المتصلة بالحكمة، وعمق تقدير الموقف، والبعد كل البعد عن الخيارات الشمشونية غير المجدية التى يريد لنا الكارهون التورط فيها.

حمى الله مصر وحمى جيشها الوطني العظيم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com