فالانتاين بالتونسي

فالانتاين بالتونسي

وئام غداس

هناك عقيدة ثابتة في تونس غير منطوقة: الحبّ ليس بالكلام ولا بهدايا الفالانتاينوأعياد الميلاد والزواج، ليس بالورود وعلب الشوكولا والدبادب الحمراء، ليس بمخاطبة الحبيب بكلمة حبيبي، أو الاعتراف بالحبّ والمشاعر على الملأ، بل أكثر من ذلك التونسيّ لا يعترف بحبه حتى لحبيبه!

على هامش الفالانتاين سألت أحد أصدقائي المقرّبين عما سيهدي زوجته هذا العام قال: إنه أهداها ثلاث زهرات وهنّ بناته وتعجّب منّي: ما الذي ستريده أكثر؟

هكذا تقريباً كانت معظم أجوبة المتزوجين الذين سألتهم أمّا غير المتزوجين كانوايضحكون من السؤال طويلاً -النساء والرجال على حد سواء- متساءلين بجدية عن علاقة الحبّ بالهدايا والكلام العاطفي و“الحركات“ الرومنسية، إذا كان مجرّد وجودي واستمراري مع شريكي أو حبيبي كافٍ ليعرف أني أحبّه.

في كلّ العالم، لنقل العربيّ على وجه الخصوص، ستجد في الغالب أن الأزواج ينادون بعض بكلمة حبيبي، حتى لولا يُقصد بها التعبير عن المحبة لكنها كلمة في الشرق بالخصوص تندرج ضمن السياق العادي في الحديث، لكن في تونس من المستحيل أن ينادي زوج زوجته أو زوجة زوجها بكلمة : حبيبي/تي، في بلدان الشرق تستعمل ذات الكلمة لمخاطبة أي كان الجار والصديق والأخ ..

وفي تونس لو تأملت المعجم الكلامي للتخاطب بين الأفراد البعداء والقرباء سوف تجد أنه يفتقر كثيراً للعبارات اللطيفة واللينة، معجم جافّ قاس خشن،مع أنك لو حاولت أن تجد صفة عامة توحّد بين كل هؤلاء ستجد أنها بلا منازع الطيبة والتكاتف، لكننا لم نتعلم أنه من حقنا وواجبنا أن نسمع من وقت لآخر كلمات طريّة فيما بيننا، من حقنا ان نُشعر الآخر بالحب وأن يشعرنا به الآخر، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام أصرّ أن الكلمة الطيبة صدقة.

لا يمكن بأي حال من الأحوال إعتبار هذا الأمر نوعاً من الأزمات ولكن يمكن القول عنه أنه طبع مجتمعيّ عامّ، نعيه ونعرفه تمام المعرفة، نعيش به وتعلمنا كيفية التعايش معه، رغم أن التعبير المستمرّ عن الحبّ، كلمات الرقة والحنان والاحتفاء بالحب في مناسبات معينة أشياء مطلوبة جدا واحتياجات شديدة الخصوصية لكل أحد مهما تكن درجة واقعيته، براغماتيته , وإيمانه القاطع بالفعل والمواقف، فمثلما تختزل بعض المواقف البسيطة معلّقات كاملة من الشِّعر، فكلمة صغيرة أو لمسة حنونة قادرة أن تختزل عمراً من المواقف الكبيرة في لحظة خاطفة.

كلّ هذا صحيح لكننا في المقابل لا يمكن أن ننفي تماما صفة الصوابية عن فلسفة التونسي في الحبّ، فالحب أيضاً لا يحتاج إلى الرومنسية والكلام ”الكبير“ بقدر حاجته للصدق وأن ينبع فعلا من القلب قبل الفم.

سوق الدبادب والورود والعطور والشكولاطة لن تكون مثلما في كل مكان مزدهرة يوم الفلانتاين، لكنّكِ يا مواطنتي البربريّة لن تغضبي مثلما لن أغضب من الأمر، ولن تري أن في خشونة حبيبك إنتقاصاً لمشاعر حبّه الكبيرة والصادقة التي لا يرى لزوماً أن يثبتها بشيء لا في يوم عيد الحبّولا في أي يوم آخر، كلّنا نعرف أن المسألة ليست بالبساطة والسهولة عندالتونسي مثلما هي عليه عند غيره، وسيكرّر على مسامعك مثل كلّ مرّة أن المسلسلات التركية أفسدتكِ!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com