الناتو يستعد..

الناتو يستعد..

يوسف ضمرة

بالتدريج، وخطوة خطوة، يمهد الغرب الأمريكي لغزو بري لسوريا. هل أصبح المناخ الشعبي العربي ملائما لعمل كهذا؟ وهل سيرتكب الناتو حماقة جديدة في المنطقة؟

تنتهي الحروب المعلنة والمباشرة بعمل عسكري حاسم، أو بتسوية سياسية شاملة أو تفي بالغرض، ولو إلى حين. في سوريا لا تبدو آفاق التسوية السياسية مفتوحة أو مهيأة. والجماعات المسلحة تتلقى ضربات يومية من الجيش السوري، ناهيك عن الخلافات بين الجماعات نفسها على مناطق عدة في سوريا، بغنائمها.

جريمة إحراق الطيار الأردني حيا، هزت الشعب الأردني، ومنحت النظام فرصة تاريخية ـ ولو مؤقتة ـ للمضي قدما في التورط في الأزمة السورية، حتى لو شمل ذلك تدخلا بريا. وقد أفادت معلومات كثيرة أن للأردن في جنوب سوريا نفوذا قويا. وهو ما يعني أن تدخلا أردنيا بريا تحت غطاء جوي أمريكي/ ناتوي، قد يكون ممكنا.

تصريحات القادة الأمريكيين لم تعد تخفي نية التدخل البري. لكنهم يقولون إنهم يدربون 15 لواء عراقيا لهذه الغاية، وأن دور الناتو سيقتصر على الجو والحماية الجوية. بمعنى أن الناتو سيتكفل بالتصدي للطيران السوري، وللصواريخ السورية في حال انطلاقها نحو الكتائب المهاجمة، أو حتى في حال فكرت دمشق في قصف بعض الدول المجاورة كالأردن.

وعلى الرغم من أن القادة الأمريكيين يتحدثون عن تدخل بري لمحاربة داعش، إلا أن تصديق مثل هذا الكلام، يتطلب إضافة موضوعية، وهي: إلى من ستسلم القوات المناطق التي ستحررها من داعش؟ حتما لن يكون الجيش السوري هو البديل في هذه الحال، وإنما جماعات مسلحة أخرى، كالنصرة مثلا، التي هي رسميا مصنفة كجهة إرهابية في مجلس الأمن، وتحت الفصل السابع. والمفارقة، أن التحالف الأمريكي العربي لم يتعرض لجبهة النصرة ولو في غارة واحدة!

ولكن، لماذا نقول حماقة جديدة؟

بالنسبة للناتو فهو قادر على إسقاط النظام السوري بالقوة، ولكننا سنجد أنفسنا أمام آلاف المسلحين في الأرياف السورية واللبنانية والعراقية، وفي المدن كذلك على غرار ليبيا، ترفض إملاءات الناتو القاضية بفرض سلطة سياسية غير مقبولة من النصرة وشقيقاتها. فنحن أمام مجموعات عقائدية، لن تسمح بعد أربع سنوات لمجموعة من الساسة العلمانيين والمختلفين معها عقديا، بالتحكم في سوريا وإدارة شؤونها. في هذه الحال، سيأخذ الصراع أشكالا أخرى بالضرورة. ولكن أحدا لا يستطيع تحديد توقيت لنهاية الصراع، أو تحديد شكل هذه النهاية. فهل يقبل الناتو بذلك؟

قبل الحديث عن الناتو، فإن هنالك قوى أخرى لا ينبغي لأحد نسيانها؛ إيران وروسيا وحلفاؤهما في سوريا. وإذا كانت أوكرانيا في طريقها عمليا إلى موسكو بالقوة، كما تشير الوقائع والتطورات، فإن هذا لا يعني أن يضحي الروس بأربع سنوات من الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي لسوريا. فأزمة أوكرانيا لم تفتعلها موسكو للسيطرة عليها، بل الغرب هو الذي افتعلها لإضعاف موسكو، وأكمل الدائرة بتحطيم أسعار النفط، ليوجه ضربة قاصمة لموسكو وإيران. أما إيران، فهي تدرك أن سوريا هي الرئة الوحيدة التي تتنفس منها في الإقليم كله، حتى لو ادعى الإعلام الغربي أن الحوثيين هم حلفاء إيران، ما يعني أن إيران ربما تستبدل اليمن بسوريا.

بالنسبة للناتو، فتبدو تركيا هي المرشح الأبرز للسيطرة على شمال سوريا في حال خطا الناتو خطوة التدخل البري. لكن التحولات التي تشهدها أوروبا، بدءا باليونان، ومرورا بأسبانيا، ربما تشكل عائقا، ولو محدودا. أما الخطورة الأكبر، فهي ما قد يحدث من حرب شاملة في المنطقة، يتقدمها حزب الله، وبالتالي إيران، ما يعني أن حريقا سيندلع بقوة، ولا أحد قادر على التنبؤ بنتائجه. ناهيك عن أن تحول الجماعات الدينية المسلحة إلى أعداء جدد، أمر في غاية السهولة عند الضرورة، طالما كان الإرث الديني ينطوي على مبررات يسهل العثور عليها أو استنباطها.

ربما لم تحن اللحظة المناسبة بعد، وقد لا تحين أبدا، على الرغم من أن الناتو ماضٍ في الإعداد وتهيئة المناخ.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com