زمن أيّ شيءٍ هذا ؟

زمن أيّ شيءٍ هذا ؟

وئام غداس

قبل عامين تقريباً تساءل أنسي الحاج في أحد مقالاته عمّا يمكن تسمية الزمن الذي لم تعد فيه فاتن حمامة صبيّة السينما ولا أم كلثوم مطربة مصر ولا فريد الأطرشمجسّد الرومانسية ولا شكري سرحان وأحمد مظهر فنيي الشاشة ولا عبد الوهابسقف الجميع وقال : “ زمن أيّ شيء هذا؟ ليتنا ولدنا زمن الإنحدار كي نرى كلّ هذا الإنحدار صعوداً ”لماذا فاتن حمامة في مرحلة فنية كانت زاخرة بالوجوه السينيمائية النسائية ذاتالمواهب الفذّة والجمال والأنوثة الباذخين، لماذا هي الوحيدة التي لم يختلف الجمهور العربيّ على محبّتها دونا عن بنات جيلها اللواتي اختلفت دائما بشأنهنّالآراء والأذواق، لماذا دائماً الأولى؟ لماذا كلّ الناس أحبّت وصدّقت فاتن حمامة؟

بدأت فاتن حمامة حياة فنية مبكرة جدّاً وفي سنّ السادسة فقط وقفت أمام العملاقمحمد عبد الوهاب لتجسّد دور الطفلة الصغيرة في فيلم ”يوم سعيد“، تلته عدّةأفلام في سنوات قليلة، ما دفع عائلتها للإنتقال إلى القاهرة لتشجيع الفنانة الناشئةوعام 1946 دخلت فاتن حمامة المعهد العالي للتمثيل.

كانت في الخامسة عشرة عندما انتبه يوسف وهبي إلى موهبتها وأشركها في عدد من الأفلام التي لاقت نجاحاً كبيراً في نهاية الأربعينيات، ومع بداية الخمسينيات التي تعتبر عصر السينما المصرية الذهبيّ، عندما بدأت تتجه نحوالواقعية سجلت فاتن حمامة حضوراً قويا مع مجموعة من المخرجين الذين راهنوا على التجربة على غرار يوسف شاهين وصلاح أبو سيف.

رحلة دامت ستون عاماً بدأت في 1940 وانتهت سنة 2000 كانت مليئة بالنجاحات والتكريمات والجوائز إلّا أن الجمهور العربيّ لم يشعر مطلقاًأن شيئا من هذا كان كفيلاً أن يشكر سيدة الشاشة العربية على كلّ المشاعرالعالية والكبيرة التي كانت تولدها صورتها على الشاشة بداخله، دموعهانظراتها وارتعاشة صوتها، ولم تستطع امرأة أن تعبّر فعلاً أنها كانت تنقل صورة عنها تامة التفاصيل، بكامل بساطتها ومحافظتها ومواطن ضعفها وقوتها، بأخطائها وأسرارها وهواجسها ومخاوفها وأحزانها وأفراحها، كانت تلك نقطة قوة فاتن حمامة أنها تشبه الجميع، وواحدةمن كلّ هؤلاء.

على عكس نجمات السينما لم تكن فاتن حمامة ذات جمال صارخ، كانت مثالاً لجمال المرأة العربية العادية، تلك التي لا تبهرك ملامحها أو تصعقكقسماتها ولكنك تحتاج إلى وقت لتتغلغل تفاصيلها فيك وتستدرجك حدّ الأسر.

جمال هادئ لا يثير حفيظة النساء ولا يشعرهن بالغيرة وإنما بالتشابه والقرب،قد لا يعود هذا فقط إلى شكلها الخارجي وإنما أيضا إلى خياراتها الفنية التي حاولت كثيراً أن تنأى عن أدوار الإغراء، في وقت كانت فيه كل نجمات السينماتقريباً إلى جانب التمثيل يقدّمن عروضا إستعراضية في الأفلام.

فاتن حمامة التي جسدت دور المرأة الشرقية المحافظة بأمانة تامة حتى في طريقة لباسها المحتشمة وإبتعادها عن المشاهد الساخنة أو أدوار العشيقة .

مثلت فاتن حمامة المرحلة الناصرية بكلّ ما طمحت إلى إرساءه من قيم نبيلةفي صميم المجتمع المصريّ، وكانت معظم أعمالها قائمة على رسائل إنسانيةواضحة، عالجت من خلال أدوارها عديد القضايا الشائكة في المجتمع مثلمشاكل الطلاق وحقوق المرأة والصراعات الطبقية وقد لاقت مثل هذه الأعمالإلى جانب النجاح الجماهيري، إستجابة سياسية دفعت إلى تنقيح جملة من القوانين آنذاك.

فاتن حمامة نموذج عالمي للمرأة العربية لم يختلف حوله أحد وهذا في حدِّذاته على إثر رحيلها سيُعدُّ فجوة أخرى في الزمن، فزمن أيّ شيء هذا؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com