الرد الأردني على جريمة داعش

الرد الأردني على جريمة داعش

يوسف ضمرة

لم تكن هنالك أي مفاجأة في إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة، أللهم إلا في الشكل،حيث عمد داعش إلى الإعدام حرقا هذه المرة. ولكن الغريب في الأمر، هو أن يتأخر داعش في الإعلان عن“جريمته“ شهرا كاملا! ويعزي بعض المحللين هذا التأخير إلى محاولة الإفراج عن الإنتحارية العراقية ساجدة الريشاوي، المحكومة بالإعدام في الأردن، على خلفية مشاركتها في تفجيرات فنادق عمان. لكن هذه الحجة لا تبدو صائبة تماما؛ فداعش ليس تنظيما جاهلا أو غبيا، بحيث يطالب بالإفراج عن أسراه مقابل اسم فقط.

وانسجاما مع الحزن والغضب اللذين خيما على الشارع الأردني، توعدت الحكومة الأردنية التنظيم الإرهابي برد ”مزلزل“! وهو ما أثار تساؤلات كثيرة حول هذا التهديد؛ فما معنى الرد المزلزل؟ هل ستزيد الأردن من طلعاتها الجوية مثلا؟ أم إن هنالك سيناريو آخر لا يعرفه أحد؟ الرد المزلزل حقا، يتعين في خروج الأردن من التحالف الأمريكي العربي أولا، ثم الإعلان رسميا عن التوقف عن دعم أي فرع من فروع المعارضة السورية، التي كان“المعتدل“ منها أول من قام بحز الرقاب، وإلقاء المدنيين عن أسطح البنايات وهم أحياء.

على الحكومة الأردنية أن تتذكر أن جبهة النصرة الموجودة جنوب سوريا، ليست إلا فرعا من داعش، أرسله البغدادي بقيادة الجولاني“نصرة لأهل الشام“. وعليها أن تدرك أن كل ما يجري في سوريا والعالم العربي هو محض هراء تحت مسميات براقة كالثورات والربيع والانتفاضات الشعبية وما شابه ذلك. فاستبدال الأنظمة الشمولية بأيدلوجيات أكثر تطرفا وأعمق شمولية لا يدخل في باب الثورات، مهما اختلقنا من أعذار أو دوافع.

لقد نجح الغرب الأمريكي في تحويل الصراع في المنطقة، وأوجد أعداء من بيننا، مستنجدا ببعض التفسيرات والاجتهادات الإسلامية. وهو ما شكل حاضنة شعبية لهؤلاء المتطرفين التكفيريين في سوريا وفي غيرها من دول العالم العربي كمصر وليبيا ولبنان. وقد كان موقف الأردن منذ بداية الأزمة السورية، مشجعا للتيارات الجهادية والسلفية الأردنية، التي يقال إنها أرسلت قرابة 2000 مقاتل إلى سوريا.

والسؤال هو: ماذا لو انتصر هؤلاء في سوريا؟ هل ينجو الأردن؟ علينا أن نتذكر جيدا رأي النصرة التي اتهمت المخابرات الأردنية بالتسبب في مقتل الطيار الأردني الأسير، لكي تجد عذرا لملاحقة التيارات الجهادية الأردنية، حسب تعبير النصرة في بيانها. وعلينا أن نتذكر أن معظم الفصائل ـ جماعات وأفرادا ـ في سوريا تقوم بمبايعة داعش، وليس أدل من ذلك ما يحدث على الحدود اللبنانية السورية، وتسليم الجنود اللبنانيين المختطفين إلى داعش. وعلينا أن نتذكر أولا وأخيرا، أن الأردن يقع ضمن حدود ”الدولة الإسلامية“ كما رسمها داعش.

أمريكا ليست قدرا، والأزمة السورية لن تحل عسكريا، لكنها تودي بحياة الناس يوميا، وتواصل تدمير سوريا، سعيا لطمأنة تل أبيب. ولم يكن الأردن بحاجة لاستضافة المعارضات السورية أو دعمها كما فعلت قطر وتركيا. فهذا العمل هو من شجع السلفيين والتيارات الجهادية الأردنية على الخروج علنا في تظاهرات رمزية غير مرة؛ بمعنى أن الأردن يأتي بالدب إلى كرمه.

وعود على بدء، نقول إن تأخير الإعلان عن استشهاد الطيار الأردني، في جريمة وحشية كهذه، كان جزءا من الحرب النفسية التي يمارسها داعش. فقد أوقع الشارع الأردني شهرا كاملا في مطحنة الانتظار القاسية. كما إن الإعلان جاء بعد فشلين كبيرين: الأول يتمثل في طرد داعش من عين العرب“كوباني“ السورية. والثاني فقدان المئات على أسوار مطار دير الزور من دون أي نجاح في خلخلة الدفاعات السورية. وهو بهذا الفيلم الوحشي، ربما يريد استرجاع بعض هيبته الضائعة.

جريمة وحشية بلا شك، تلك التي أودت بحياة الشهيد معاذ الكساسبة، ولكن الجريمة الأكبر، هي أن يظل بيننا من يسوّق للجماعات التكفيرية والإرهابية في سوريا، بوصفها ”ثورة“ شعبية سورية!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com