قتلة الكساسبة الحقيقيون

قتلة الكساسبة الحقيقيون

المصدر: تاج الدين عبد الحق

مع إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق بعض أعضاء تنظيم القاعدة الذين كانوا في السجون الأردنية، لا تدخل المملكة في مواجهة مفتوحة، مع تنظيم داعش فحسب، بل مع التيارات والقوى السياسية الإسلامية التي شكلت تاريخيا حاضنات لتفريخ المتطرفين والزج بهم في معارك دول الجوار.

ومن الواضح أن قوى الإسلام السياسي الأردنية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، شكلت قيدا على حرية حركة وقدرة النظام الأردني على مواجهة التنظيمات والعناصر المتطرفة. ذلك أن الجماعة استغلت تقاطع أولوياتها في مرحلة ما، مع أولوية النظام الأردني، وذلك عندما سادت موجة الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية، والتي كانت المملكة هدفا لها، فيما كان الإخوان من ضحاياها.

هذه العلاقة المصلحية، أبقت على صيغة تفاهم ملتبسة مع الجماعة، متصالحة حينا، ومتباعدة أحيانا. لكن موقف الجماعة من التنظيمات المتطرفة، و في المفاصل الرئيسية التي واجه فيها الأردن عمليات أو جماعات إرهابية، كان يختلف ظاهره عن باطنه، فلم تخف الجماعة، رغم كل التعبيرات والمصطلحات التي استخدمتها حقيقة أن ”قلبها كان دائما مع علي وسيفها مع معاوية“.

وبادعاء الوسطية والاعتدال، أو من خلال استخدام شعارات حزبية، أو خلط أوراق سياسية، اتسمت مواقف الجماعة ومن يأتمر بأمرها، في كل مناسبة، بالضبابية، أو الميوعة.

فكانت وهي تدين أي عمل إرهابي حريصة على تكون هذه الإدانة متحفظة، وضمن الحدود التي ترفع عنها تهمة التواطؤ مع الإرهاب، وتحميها من كشف حقيقة علاقاتها التنظيمية، أو الإيديولوجية، بالتطرف، والمتطرفين.

ولعل البيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في الأردن والبيان الذي أصدره ذراعها السياسي، حزب جبهة العمل الإسلامي بشأن إحراق الطيار الكساسبة، على يد داعش مثل واضح، على ضبابية المواقف التي تتخذها قوى الإسلام السياسي الأردنية.

فبيان الجماعة وبيان الحزب التابع لها، كان أقرب لرفع العتب منه للإدانة ، بل إنه أقرب لبرقية تعزية في حادث وفاة عادي. صحيح أنهما وصفا حرق الطيار الكساسبة ”بالعمل الإجرامي“، إلا أن البيانين يتضمنان ما يؤكد أن الجماعة والحزب ظلا ممسكين بخيط العلاقة التنظيمية أو الإيديولوجية أو حتى العاطفية مع التنظيم الإرهابي.

فالبيانان لم يأتيا على ذكر تنظيم داعش لا من قريب أو بعيد، وكانت الإدانة، مبنية للمجهول، ومحصورة بما وصفه البيانان ب“سلوك شائن في الانتقام “ وهو ما قد يحمل ضمنا دفاعا عن التنظيم، من خلال الإيحاء بأن التنظيم كان يتصرف تصرف المنتقم من غارات الطيار على مواقعه، وأن عقابه كان من قبيل الدفاع عن النفس وأن الخطأ الذي ارتكبه التنظيم، هو خطأ في الأسلوب لا القتل بحد ذاته.

كما أن البيانين، دخلا عند تناولهما للجريمة فيما يشبه الجدل الفقهي عندما أشارا إلى أن ”العمل الإجرامي ينتهك حقوق الأسير في الإسلام“، وهو ما يعني أن الجماعة والحزب يعتبران العمل اختلافا في الاجتهاد.

البيانان أيضا وضعا العملية الإرهابية التي راح ضحيتها الطيار الكساسبة في سياق واحد مع كل العمليات الإرهابية، عندما أشارا إلى أنهما يدينان ”جميع أنواع الإرهاب الذي يستحل الدماء ويعتدي على كرامة الإنسان“.

وبخلاف أن خلط الأوراق بين ما جرى للكساسبة، وبين عمليات إرهابية أخرى، يعني تمييع الموقف السياسي والتعمية عليه، فإن هذا الربط، لا يشكل غطاء يتجمل به وجه التطرف فحسب، بل إنه يعكس أولويات الجماعة في الأردن، وتقديمها على الاعتبارات الوطنية. حتى لو تعلق هذا التقديم أو التأخير، بمشاعر الأغلبية من الأردنيين.

لقد حاولت بعض القوى الإسلامية التشويش على موقف غالبية الأردنيين يوم أسر الطيار الكساسبة، عندما قلبوا المعادلة، فبدل أن ينصرف الاهتمام إلى كيفية تخليصه من براثن التنظيم الإرهابي، بدت جوقة تلك القوى ترديد نغمة أن الأردن أخطأ بالمشاركة في عمليات التحالف وأنه يخوض حربا ليست له، وكأن هذه الحرب لا تطرق أبواب الأردن ولا تقترب من حدوده ولا تستهدف في المآل وجوده.

الحكومة الأردنية التي كانت تخوض إلى الآن حربا استباقية في مواجهة داعش أصبحت اليوم في صدر المواجهة لا رغبة بالثأر من قاتلي الطيار الكساسبة فقط، بل لأنها تعلم أن معركة الأردن مع الإرهاب، لم تعد خيارا بل جزءا من حرب معقدة، تتداخل فيها عوامل كثيرة تتجاوز المواجهة المباشرة مع التنظيم، إلى فتح ملف المعارك المؤجلة مع التنظيم الأم، الذي كان الحاضنة الأولىلكل هذا الخراب الذي يعم المنطقة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com