الدولة العميقة في ثلاثة نماذج

الدولة العميقة في ثلاثة نماذج

موفق محادين

بعيداً عن السذاجة السياسية التي تعززها ميديا مغرضة مبرمجة، تعالوا نقرأ التحولات الجارية في ثلاث بلدان تتصدر الشريط اليومي للأخبار، وهي مصر وسوريا وتركيا، وتتلقى تعليقات عابرة بالكاد تمس القشرة الخارجية لهذه التحولات ولهذه البلدان.

أولاً، مصر، التي جرى اختصارها في شخصية السيسي، وكأنه نبت مفاجىء أو ضابط مبرمج معد لهذه المرحلة، وهو كلام يلائم الوعي البسيط المسكون بفكرة المؤامرة بالمطلق والجاهز لتلقي أية أفكار لا تشغل ذهنه بالتدقيق والتمكن والأسئلة.

ابتداء، الست مع الأداء المصري خلال أزمة العدوان الصهيوني الإجرامي على غزة والذي كان عليه أن يتجاوز الهاجس الأمني إلى دور سياسي ظل في يد عواصم معروفة، بالإضافة لتحسبات القروض والمساعدات المنتظرة لدعم مشروع السويس الجديد وترميم الجيش وغيرهما.

بيد أن هذا التشخيص لا يقلل أبدا من يقظة الدولة العميقة بعد سبات طويل في عهدي السادات ومبارك.

والمهم هنا أياً كانت شخصية السيسي والاتفاق أو الخلاف عليها فهو ابن الدولة العميقة التي قد تنجح هذه المرة فيما فشلت فيه إدارة مبارك مع انفجار أزمة الخليج الثانية، وظهر في محاولة مشتركة مع سوريا عبر (إعلان دمشق) الذي لم ير النور تحت ضغط الولايات المتحدة.

ولعل الظروف التي تمر بها دول الخليج الكبرى والقلق من إيران وتركيا معاً ومن المناورات الأمريكية التي قد تذهب بعيدً في خلط الأوراق، لعلها تساعد الدولة العميقة في مصر على التقاط فرصة كبيرة وتاريخية بتقديم نفسها كعامل توازن إقليمي يعول عليه.

وليس بلا معنى أن يقظة الدولة العميقة في مصر ترافقت في كل مرة مع مشاريع مائية كبرى من السيطرة على فيضانات النيل أيام أخناتون إلى السد العالي إلى مشروع القناة الجديد.

انطلاقاً من ذلك ليس حسناً قراءة مصر من خلال مواقف سياسية عابرة ومن شخصية السيسي فقط بل قراءة هذه المواقف وهذه الشخصية من خلال الدولة العميقة.

أيضاً وبخلاف الخطاب البائس المتهافت والساذج لجماعة الأخوان وتحالفاتها حول الدولة العميقة، فهي جوهر مصر وروحها ولا معنى ولا قيمة لمصر دونها، ومهما ظهر فيها من تغول وفساد وبيروقراطية، فلا ينبغي أن تتحول إلى ذرائع لهدم الدولة العميقة نفسها.

ثانياً، سوريا حيث تأخذ الدولة العميقة أشكالاً ومستويات مختلفة، فسوريا الحالية كما سوريا الأموية وكما ولاية دمشق – أعمق كثيراً من القراءات الساذجة التي تحيلها إلى حزب أو طائفة، بل إن النظام الحالي فيها هو امتداد لتحالف سياسي، اجتماعي، اقتصادي تشكل عام 1970 ولعبت فيها غرفة تجارة وصناعة دمشق (السنية) دوراً أكبر من حزب البعث ومن العسكر بكل طوائفهم.

وليس بلا معنى أن ما تشهده سوريا منذ سنوات بذريعة مواجهة نظام بعثي شمولي تقوده مجموعة (علوية) شهدته في خمسينات القرن العشرين عندما كانت برجوازية الشام السنية على رأس السلطة، وعندما كان عدوها الأساسي في أنقرة هوسلف أردوغان الحالي، وهو الإسلامي عدنان مندريس الذي كان يدير الحكومة بالتعاون مع رئيس إسلامي للجمهورية هو جلال بايار، وكانت جماعة الأخوان المسلمين السورية الذراع الأساسي للحكومة التركية، بل إن ضباطاً سوريين منشقين أعلنوا آنذاك عن تشكيل جيش باسم الجيش الحر.

ثالثاً: تركيا ومهما وجد البعض في أردوغان شيئاً من الكاريزما، فالدولة العميقة هناك هي المحرك الحقيقي لهذه الشخصية وللسياسة التركية، وللفريق الإسلامي الذي يديرها.

أما قوام هذه الدولة، فهي برجوازية الأناضول التي حطمت الخلافة العثمانية ودعمت مصطفى كمال (أتاتورك) وأطلقت العلمانية وراهنت على الاندماج في أوروبا قبل وخلال تشكيل الاتحاد الأوروبي، وشكلت نفسها وأسواقها ومصانعها وثقافتها وفق هذه الأوهام.

وعندما أدركت أن علمانية أوروبا تخفي ثارات متوارية مع العثمانيين، وأن باب الاتحاد الأوروبي لن يفتح أبداً أمامها بالرغم من الضغوط الأمريكية ويهود الخزر (في تل أبيب) غيرت الاتجاه نحو الشرق الإسلامي، ونقلت بندقيتها من كتف الكماليين العلمانيين إلى الوسط الإسلامي في أحزاب اليمين، عبر أربكان المحافظ أولاً ثم عبر فتح الله غولان وتلاميذه: أردوغان وغولان وداود أوغلو الذين تمردوا على الأب وورثوا مشروعه.

هكذا تواطئت الدولة العميقة بكل أركانها من الاستخبارات وغرف التجارة والصناعة لخدمة الإستراتيجية الجديدة، ولم يكن للفريق الإسلامي أن يواصل سيطرته لولا رغبة ودعم هذه الدولة.

ولنا أن نقول أيضاً أن عاملاً دولياً هاماً ساعد على ذلك وهو الخوف الأمريكي من صحوة الدب الروسي وصعود التنين الصيني في قلب العالم مما استدعى بعثاً أمريكياً للدولة العثمانية مقابل ذلك.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة