ليس مجرد إعلام جديد .. إنه شكل من أشكال هندسة الحياة !

ليس مجرد إعلام جديد .. إنه شكل من أشكال هندسة الحياة !

عائشة سلطان

تأمل سلوكك جيدا، أنت على وشك السفر، تعد حقيبتك وتطمئن إلى أن جواز سفرك وتذكرة الطيران وبطاقة الائتمان موجودة وفي مكانها حافظة الأوراق، فيما بعد فإن اول ما تتأكد من وجوده هو الهاتف المتحرك، جهاز الآيباد أو الكمبيوتر اللوحي الصغير، الشاحن اللازم لهذه الأجهزة جميعها، وبعد ذلك تضع ثيابك وأدواتك الشخصية، وحين تنزل من الطائرة في طريقك للفندق اول ما تسأل عنه سائق السيارة (كيف أحصل على شريحة انترنت ورقم للهاتف النقال هنا؟؟ أما في الفندق فقبل أن تسجل بياناتك التي تطلبها منك موظفة الاستقبال، تسألها بلطف بالغ وابتسامة أمل كبيرة (هل تتوافر لديكم خدمة الواي فاي المجانية في الغرف) ؟؟ ويا ويل الفندق اذا لم يوفر هذه الخدمة الجليلة!!

هذه الصورة هي ما يمكن أن يجيب على مدى استحواذ واهمية مواقع التواصل الاجتماعي للناس، معظم الناس في كل مكان في العالم؟ كيف حصل هذا الاستحواذ؟ لا نعلم على وجه الدقة لكنه حصل حين يتم تبسيط المسائل يقال إن وسائل التواصل الإجتماعي المنتشرة بين الجميع في كل مكان باتت تشكل احتياجا نفسيا واجتماعيا وإنسانيا أكثر مما هي وسائل إعلام او وسائط تواصل وأنها الترجمة العملية لاحترام حرية الرأي وحق الحصول على المعلومة، هل هي كذلك فعلا؟ البعض يشكك في هذه النتيجة!

بحسب الأديب الايرلندي ”أوسكار وايلد “ فإن الإنسان اخترع اللغة ليخفي بها مشاعره. وعلى قوله نستطيع أن نبني نتيجة اخرى فنقول إن الإنسان اليوم قد اخترع الإعلام الجديد الذي يعرف بـ (الميديا الجديدة) أو الإعلام الاجتماعي ليخفي بها اخفاقاته ويعوض بها ما كان ينقصه أو ما يمكن أن ينقصه حسب تواترات الحياة وتطوراتها في مدن اليوم شديدة التعقيد والتطلب .

وسائل التواصل الاجتماعي هذه لازالت تثير جدلا لم يهدأ بعد بين المنظرين والمهتمين وبين ارباب المدرسة القديمة في الإعلام التقليدي وأصحاب الموضات الجديدة في الإعلام وفي كل شيئ، جدل خلاصته سؤال حول الغلبة: لمن ستكون في نهاية الصراع؟ لكن لماذا افتراض الصراع من الاساس؟ لأن المسألة ليست إعلاما خالصا إنه تجارة وملايين وتغيير مفاهيم وهندسة عقول البشر وفرض ثقافات بالقوة … الناعمة بعد أن ارهقت الجيوش ميزانيات الدول وقضت على كل شيئ، الإعلام الجديد في عمقه البارد المتخفي هناك في البعيد والمستتر ليس أكثر من ذراع ناعمة لتغيير شروط اللعبة، لعبة التحكم في العقول وهندستها والسيطرة عليها !

وطالما أن هناك احتياجا إنسانيا فطريا للتواصل والتقارب واحتياجا أكبر لتقدير الذات وللعلاقة بالآخر وللمعرفة، وطالما فقد الإنسان بواسطة انظمته القمعية أحيانا وتطوره المتسارع أحيانا علاقاته الإنسانية وحقه في التعبير والكلام وطالما أن الحرية باقية في دمه نسغا حارا وتعبيرا صادقا لوجوده وآدميته فإنه لا مجال ولا مكان لكل ذلك سوى مواقع التواصل الاجتماعي، في زمن صارت العلاقات الانسانية والحياة الاجتماعية معقدة وتجتاحها العديد من الانكسارات والانشغالات والكثير من الخيبات ، إن لم يكن في تلك البقعة ففي بقاع أخرى كثيرة تزدحم بالفقر والقمع واليأس والبرودة ، وإذن فلا مجال للحديث عن نهاية سريعة لعصر هذه الميديا ذات التأثير الخرافي التي لا زال البعض يراهن على انها ليست سوى موضة !

أما الصحافة الورقية فقد وجدت مع بزوغ عصر الثورة الصناعية وبناء المصانع في أوروبا، ومع نشوء وتطور المجتمع الجماهيري وحاجة الإنسان لمعرفة الأخبار وما يدور حوله، ومنذ تلك السنوات البعيدة وحتى اليوم فإن اختراعات شتى عبرت جسور الحضارة الإنسانية، بعضها تلاشى وبعضها اختفى تماما، بينما الصحيفة لا زالت تلوح في أيدى كل الموظفين الذاهبين والعائدين من أعمالهم صباح مساء، في السيارات الفارهة كما في قطارات الدرجة الثالثة وفي عربات المترو السريعة، لم يحدث يوما أن أختفت الصحف، لكن ذلك لا يعني أنها في مأمن من تهديد الوسائط الجديدة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com