فهم موقف الإمارات من أحداث عدن

فهم موقف الإمارات من أحداث عدن

تاج الدين عبدالحق

فُهِم موقف الإمارات من التحرك الأخير للمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، فهمًا خاطئًا، أو مغرضًا. وجد فيه البعض تأييدًا إماراتيًّا ضمنيًّا، لطموحات الذين يسعون لفصل الجنوب، وإحياء كيانه الجمهوري المستقل، كما كان قبل الوحدة بين الشطرين عام 1990.

أما البعض الآخر فقد تصيَّد منه ما يمكن أن يُخلخل التحالف العربي ويشكك فيه، وصولًا إلى إضعاف التفاهم الإستراتيجي القائم بين دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية.

وفي زحمة الفهم الخاطئ، أو التحليل المغرض، تم تجاهل كثير من الحقائق، والوقائع التي تفند ما وصل إليه المخطئون، وما أراده المغرضون.

وأول هذه الحقائق، أن الإمارات العربية المتحدة دخلت إلى اليمن، لا لتنفيذ أجندة خاصة، ولا بهدف تحقيق مطامع خاصة، كما أوحت بذلك جهات عديدة، في فترات مختلفة، حين صورت الدور الإماراتي كما لو كان تدخلًا ذا طابع استعماري، وتنفيذًا لمطامع اقتصادية، أو مطامح للهيمنة والتمدد . وقد رأينا أمثلة على ذلك في تقارير إعلامية وتحليلات سياسية، وتصريحات كثيرة، ما لبثت الوقائع والشواهد الميدانية أنْ قدَّمت الأدلة على تَهافتِها وضَعفِها فضلًا عن تناقضِها.

ولعلنا نذكر هنا، الحديث الذي لم ينقطع، عن مطامع إماراتية في السيطرة على جزيرة سقطرى اليمنية، والخطط الإماراتية للهيمنة على ميناء عدن، بالإضافة إلى اتهامات مبطنة، بشأن دعم الإمارات لبعض القوى السياسية الجنوبية، في سعيها للانفصال عن الشمال؛ وكأن هذه النزعة وليدة اليوم، أو كأنها بدأت مع دخول القوة الإماراتية، في تجاهل متعمد لتاريخ الحراك الجنوبي، الذي لم يكن يخفي تطلعاته للانفصال، ورغبته المستمرة منذ سنوات لاستعادة الكيان الجنوبي السابق.

وبدلًا من الاعتراف بخطأ التحليل، والتسرع في التفسير، أعاد هؤلاء الرواية بمعان أخرى، وأهداف مختلفة . فعندما تواترت الأنباء عن إعادة تموضع القوات الإماراتية وانسحاب أعداد منها، وجَد مَن في نفسه غرض، تفسيرًا آخر يناقض ما كان يقدمه في روايته الأولى، فاعتبر أن إعادة التموضع الإماراتي دليلٌ على انفراط عقد التحالف، وبداية الخلاف بين الشريكين الكبيرين فيه وهما السعودية والإمارات .

ولم يكن خطأ التفسير وتناقض التحليل، هما السمتين اللتين اتسمت بهما ردود فعل المتصيدين في المشهد اليمني وحسب، ففي موازاة كل ذلك اللغط ، كان ثمة تجاهل متعمد لحقيقة الإطار القانوني والسياسي الذي حكم عمل القوات الإماراتية، وهو هنا، قرار الأمم المتحدة الخاص بدعم الشرعية اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي . وهذا الإطار كان لا يزال قائمًا حين بدأت الروايات تتحدث عن دعم إماراتي للمجلس الانتقالي، في مواجهاته مع قوات الحماية الرئاسية في عدن.علمًا بأن دولة الإمارات غير قادرة قانونًا على التواطؤ مع أي قوى تَخرج على الشرعية المعترف بها دوليًّا، وإلا فهي تفقد مبررات عضويتها في التحالف، وصدقية عملها لدعم الشرعية في مواجهة الانقلاب الحوثي.

ولأن هذا الأمر هو تحصيل حاصل، ومعروف لكل المرجعيات السياسية والقانونية، لم يكن هناك حاجة  للتعبير مجددًا، عن هذا الموقف الحاكم لدور الإمارات ضمن قوات التحالف، وآثرت الدبلوماسية الإماراتية -بدلا من ذلك، وكترجمة له- أن يأخذ التعبير عن موقفها من أحداث عدن، شكل مساع سياسية، أو ميدانية على الأرض، بهدف الوصول إلى التهدئة بين طرفي هذه المواجهات باعتبارهما حليفين في خندق واحد في مواجهة الانقلابيين الحوثيين.

لكن المغرضين، وجدوا في مساعي التهدئة تلك مجالًا للتشكيك -مجددًا- في نوايا الإمارات من جهة، والنظر إليها كدليل آخرعلى انفراط عقد التوافق بينها وبين السعودية من جهة ثانية .

واعتبر هؤلاء -ومِن بينهم بعض القوى السياسية اليمنية من تلك التي تخترق الشرعية، وتسيطر على كثير من مفاتيحها-، أن هذه المساعي هي تأييد إماراتي ضمني للهدف السياسي البعيد، الذي يسعى إليه المجلس الانتقالي، وهو فصل الجنوب اليمني عن الشمال.

ولم ير هؤلاء -ما يراه كل منصف- كيف أن دولة الإمارات تصرفت بمسؤولية سياسية وقانونية، في التعاطي مع الأزمة، وتعاملت مع البديل الوحيد الممكن والمتاح وهو المسعى السياسي.

فاستخدام القوة العسكرية للتصدى لتحرك قوات المجلس الانتقالي مكلف وغير ممكن؛ لأنه يعني فتح جبهة جديدة بين قوى التحالف وقوات الانتقالي الجنوبي، وهو أمر – لو حدث – لن يتوقف عند هذا الحد بل يمكن أن يفضي إلى مزيد من الشرذمة لكل القوى المناهضة للانقلاب الحوثي .

المشهد اليمني بالغ التعقيد، والأزمة بين مختلف أطرافها القديمة والجديدة ليست وليدة اللحظة، وتحميل أطراف التحالف مسؤولية كل تطور فيها، هو نوع من التشويه الإعلامي المتعمد أو المماحكة السياسية لتصفية الحساب، والدليل أن الكثير من التطورات الميدانية والسياسية طوال المواجهة مع الحوثيين فسرت بشكل مخالف للمآلات التي انتهت إليها، بما يؤكد أن تلك التطورات، كانت في واد، فيما كانت التفسيرات لها في وادٍ آخر .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com