ليبيا تريد حلاً – إرم نيوز‬‎

ليبيا تريد حلاً

ليبيا تريد حلاً

تاج الدين عبد الحق

جمع أطراف الأزمة الليبية، في مؤتمر دولي في جنيف، لا يعني أن الحل بات قريبا، أو أن التسوية باتت جاهزة، وأن الأطراف المجتمعة تجيء إلى جنيف، وقد توافقت على قواسم مشتركة، وأجندة واحدة.

وبافتراض أن اجتماع جنيف هو خطوة في سلسلة خطوات تفضي للحل، وتنجز التسوية، فإن هذا الاجتماع يظل هو الحلقة الأسهل في مسار الحل، أوعلى الأقل الخروج من نفقها. ذلك أن الاتفاق على من ُيدعى ومن لا يدعى، حتى لو أخذ وقتا طويلا، واستلزم كثيرا من المساومات، والاتصالات، يظل بطبيعته من شكليات الحل، ولا يمثل جوهر المشكلة، أو نفاذا لجذور الأزمة وأبعادها المختلفة.

الذين اجتمعوا في جنيف قد يملكون رؤية الحل، وقد يتمكنون من التوافق عليه، لكن الواضح من توازنات القوة على الأرض أنهم غير قادرين على تطبيقه. فالحسم في الساحة الليبية لا تملكه القوى السياسية، بقدر ما يرتهن إلى توازنات القوى العسكرية وأدوار الميليشيات المسلحة، وحسابات القوى الإقليمية الداعمة لها والمصالح الدولية المرتبطة بها.

استبعاد القوى الفاعلة عسكريا من التفاوض في جنيف، حتى لو كان مبررا، ومشروعا، يجعل يد المجتمعين في جنيف مغلولة، ويتركهم صدى لما يمر به الإقليم ، ومرآة تعكس ما يواجهه من أزمات وخلافات.

القوى السياسية الليبية المجتمعة في جنيف مهما تعددت ألوان الطيف الذي تمثله، لن تكون قادرة على الحل، لأن حساباتها لم تعد محصورة بأولويات المشاركين في المؤتمر، بل تتداخل فيها مصالح القوى الإقليمية وأولوياتها. وبالخبرة فإننا نعلم من خلال تجارب وأزمات أخرى مصاعب التوافق، والحل، عندما تُدوَّل الأزمات، وتعبر الحدود لتصبح بندا في سياسات الجوار القريب، أو الحليف البعيد.

القضية الليبية لو بقيت في الحدود الوطنية، لما احتاجت كل هذا الوقت من التحضير، لجمع الأطراف المتصارعة، ولما تطلبت هذا الجهد، للتوافق على شكليات الحل. فالليبيون من حيث المبدأ، شعب متجانس عرقيا ودينيا وطائفيا، وخلافاته المناطقية مهما كبرت، لا تستطيع تجاوز حالة الانصهار الاجتماعي والتداخل القبلي، كما أن تلك الخلافات مهما بلغت حدتها لا تستطيع تفتيت شبكة المصالح التي نشأت بين المكونات الاجتماعية لليبيا الحديثة.

وحتى المطالبات بحكم لا مركزي، الذي أعتبره البعض نذير تقسيم، وخطر تقزيم، فقد ظلت شكلا من أشكال الجدل السياسي الذي لم يصل في أي مرحلة إلى حد التفكير به كشكل من أشكال الانفصال، وظل دائما مطالبة بتصحيح مسار، وتوفير إطار، لديمقراطية حقيقية جامعة تتوزع فيها الموارد بالعدل وتستثمر بنزاهة.

الخلافات داخل ليبيا اليوم إذن، ليست مناطقية، حتى وإن بدت للبعض كذلك، كما أنها ليست خلافات على إرث سياسي أو تقاسم مناصب. فليبيا الجديدة قادرة على استيعاب الجميع ومحتاجة لجهود الجميع، شرط أن تظل بعيدة عن التأثير الخارجي ومحاولات الاستزلام لقوى إقليمية وحزبية أجنبية.

الخلافات بالشكل الذي هي عليه الآن، هي من نسيج ونوع خلافات الأمس، بين الآيدولوجيا الشمولية بكل ما تحمله من موروث سياسي، وتأثير اجتماعي، وبين الديمقراطية بكل ما تحمله من آمال التغير وتطلعات التطوير.

هي خلافات بين منطق إقصاء الآخر، وفرض السيطرة عليه، وتطويعه بغلبة السلاح ومنطق القوة، وبين من لا يرى المستقبل إلا بالشراكة مع الآخر والقبول به والتعاون معه.

هي خلافات بين من يستحضر مرجعيته من مفاهيم وتفسيرات ضيقة، وبين من يرى في مدنية الدولة وسيادة القانون، فضاءً لنشر العدل وإشاعة الأمن. وضمن هذين الحدين من الخلافات فإن المراهنة على مؤتمر جنيف الليبي، يبدو من الآن كالرهان على مؤتمر جنيف السوري، ومن قبله مؤتمر جنيف الفلسطيني، وكلها مؤتمرات لا أكثر، حتى لو تعددت المسميات، وتغير الأشخاص.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com