رايات سود في الساحة الحمراء – إرم نيوز‬‎

رايات سود في الساحة الحمراء

رايات سود في الساحة الحمراء

يوسف ضمرة

إذا لم يعقد لقاء موسكو بين النظام السوري وبعض المعارضة، فعلى من يفشله أن يكاشف الشعب السوري، ويخبره صراحة من دون مواربة، أنه يرغب في مزيد من الدم السوري بعد!

لا يمكن لعاقل أن يراهن على الخيار العسكري في سوريا، إلا إذا كان رهانه منكبا على داعش والنصرة. فبقية الجماعات المسلحة من ألوية وكتائب، أصبحت مجرد أسماء ترد أحيانا في نشرات الأخبار والصحف، ولكن، حتى هذا أصبح نادرا. فيوميا نسمع عن سطو داعش والنصرة على مواقع هذه الجماعات في الميادين العسكرية. ويوميا نسمع عن تسليح الجماعات المعتدلة“الجيش الحر ومن معه من فلول“ من دون جدوى. بينما تراكم داعش والنصرة أسلحة متطورة وخبرات قتالية، على الرغم مما يشاع إعلاميا عن ضربات التحالف الأمريكي العربي.

تحدث الحروب عادة لتحقيق أهداف سياسية؛ أما الحرب من أجل الحرب، فهي لعبة السياسيين ممن فقدوا أي تأثير حقيقي على سير الأحدث في سوريا. هؤلاء هم من يرفضون الحوار، بينما العالم من حولهم يرسل إليهم العديد من الإشارات يوميا، لكي يتأملوا جيدا. فليست مصادفة أن تعيد الكويت، الدولة الخليجية، علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق. وليست مصادفة أن تنشط الكويت على خط طهران أنقرة. ولم يصدر القرار السياسي بشأن إرهابيي سجن رومية في لبنان من أشرف ريفي أو نهاد المشنوق، وإنما من عواصم القرار الفاعلة، كالرياض وباريس.

لكن تعنت بعض السياسيين السوريين المعارضين، مرده إلى خشية مميتة من النتائج؛ إنهم يخشون مساءلة قطاعات واسعة من الناس، لا في سوريا وحدها، عن مشروعهم الذي قاد سوريا إلى دمار عميم، وخلف في النفوس جراحا غائرة، تتطلب وقتا طويلا كي تندمل، ووقتا أطول كي تتخلص من الندوب. ولأن الأمر كذلك، فإن هؤلاء الرافضين، لا يرون مشكلة في مزيد من القتل والتدمير، أو سيطرة داعش والنصرة على سوريا كلها.

وإلا فما معنى هذا الرفض غير المؤَسَس على مشروع آخر؟ ومن يلزم هؤلاء بإملاءات النظام في موسكو لو ذهبوا؟ لماذا لا يشاركون لكي يقنعوا أنفسهم قبل الآخرين أنهم معنيون بإنقاذ سوريا؟ لماذا لا يقولون للعالم كله: تفضل، ها نحن ذهبنا للحوار، وها هو النظام السوري يصر على شروطه المذلة فيما لو عُرضت عليهم؟ ماذا سيخسرون؟ أما في عدم الذهاب فثمة خسارات كثيرة؛ سيفقدون مزيدا من هامش التأثير الذي يضيق يوميا بسبب تطورات الميدان، أو أنهم سيقبلون في نهاية المطاف بالاعتراف علانية أنهم يؤيدون داعش والنصرة وأخواتهما!

مؤتمر موسكو، فرصة حقيقية للتعرف على موقف سوريا بعد كل تلك المياه التي جرت تحت الجسر منذ جنيف2 وحتى اليوم. فعلى الرغم من معرفة الجميع بالمحافظة التي تطبع السياسة السورية، إلا أنها في خلال سنوات أربع دامية، أظهرت شكلا مختلفا، وإن حافظت على جوهر السياسة الرافضة لإملاءات الغرب الأمريكي. فقد جرت مصالحات داخلية في أماكن عدة، ولمسنا استجابة لاقتراحات أخرى، ومنها الحكومة الانتقالية، التي وافق السوريون على منح مقاعدها للمعارضة، باستثناء الدفاع والخارجية.

ومن يدقق في المفاوضات عادة ـ أي مفاوضات ـ، يدرك أنها نتيجة حتمية لميزان القوى على الأرض. فرجالات المعارضة ـ الائتلاف والمستقلون ـ عليهم الإقرار الآن، فيما لو كان التكفيريون والإرهابيون هم ممثليهم في الميدان، أو الاعتراف بأنهم لا يشكلون عسكريا ما يعادل كفة الدولة السورية والجيش السوري.

أما أن تكون مجردا من الأنياب، وتطالب بالكعكة كلها، فهذا أمر لم يرد ذكره من قبل. كما لم يرد من قبلُ أيضا، أن تنبذ الإرهاب نظريا، وتضعه على الطاولة أمامك في أي حوار. فهل يخشى هؤلاء أن يرى العالم في قلوبهم، تلك الرايات السود وهي ترفرف في الساحة الحمراء؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com