التستر و«داعش» وتوفيق الربيعة!

التستر و«داعش» وتوفيق الربيعة!

الحرب على التستر تطبيق للنظام، وعلاج لتشوهات اقتصادية، ولكنها أيضاً قضية سياسية لا تقل خطراً عن «داعش».

المصدر: جمال خاشقجي

في السعودية، أضحى وزير التجارة الدكتور توفيق الربيعة الأكثر شعبية بين الوزراء، بعدما نشط في متابعة «الحال السائبة» للتجار، فأغلق متاجر كبرى تتلاعب بأسعار التخفيضات، وقبل ذلك أجبرهم على القبول بحق المواطن في إرجاع ما اشتراه، نجح أخيراً في توحيد نظام «الأفياش الكهربائية»، في المملكة بعد حيرة نصف قرن بين 3 أنظمة، الآن يخوض معركة مع مطوري العقار الذين يبيعون وحدات على الخريطة قبل استيفاء التراخيص اللازمة، ما أوقع كثيراً من المواطنين في مشكلات بعجز القضاء عن حلها بعد إفلاس التاجر أو اختفائه.

إنجازات تبدو للمراقب البعيد بسيطة، غير جذرية، ولكنها مهمة لدى المواطن، ما يؤكد أن

«أكل العيش» أهم لدى المواطن من قضايا «الهوية الثقافية» أو «تحري جذور الإرهاب» أو «حجاب المرأة»، التي نشغل بها المواطن نحن معشر الكتاب والفقهاء والخبراء ونفرضها عليهم، بينما كل ما يريده المواطن هو سكن مناسب ووظيفة لائقة، وأسعار معتدلة، وتعليم وصحة.

ثم إذا كانت هذه الإنجازات بسيطة، فلماذا عجز عنها وزراء سابقون؟ بل ووزارات أخرى يفترض أن تشارك وزارة التجارة في هذه المهمات، ناقد آخر يقول، إن الوزير يقوم بما يفترض أن تقوم به هيئة حماية المستهلك، نعم هذا صحيح، فلماذا لم تقم بذلك الهيئة؟

ولكن يبدو أن الوزير الشاب ورّط نفسه في مواجهة كبرى، عندما أعلن أن وزارته ستطبق وبصرامة نظام مكافحة التستر التجاري، مستنداً في ذلك إلى نظام محكم اعتمده مجلس الوزراء قبل سنوات، ولكنه لم يطبق بالصرامة المطلوبة، بل إنه ذهب إلى حد التشهير بالمتسترين، ونشر أسمائهم بالصحف ونشاطهم، وإيقاع عقوبات مالية، وصلت إلى حد مليوني ريال، وشطب السجل التجاري، إنها الحرب إذاً على أخطر داء شوّه الاقتصاد المحلي، وجعله غير طبيعي، ولو مضى الوزير الربيعة في جهاده هذا، وحصل على تعاون كامل من بقية الأجهزة الحكومية، والتزام من الحكومة بعدم التراجع عندما تتعالى الاحتجاجات، فسيتغير ليس السوق واقتصاد المال والأعمال في السعودية بشكل عميق وغير مسبوق فقط، وإنما الحياة وقيم العمل بالكامل لتشكل سعودية جديدة، فالتستر منتشر حتى يكاد أن يكون هو الأصل في التجارة والخدمات في المملكة، ما أدى إلى إخراج السعوديين ليس من السوق فقط، بل إلى إفقادهم مهارات التجارة والتكسب، ما ستكون كلفته أخطر من مجرد بطالة.

ولكن حملته هذه ستضعه في مواجهة مع هوامير كبار، لا تقارن قوتهم بملاك المتاجر الكبرى، الذين حاولوا تفريغ بعض قراراته، كما سيفقد تأييد بعض التجار الصغار والمتوسطين، الذين أثنوا على إصلاحاته داخل الوزارة التي سهلت أعمالهم بعدما كانت تدور دورات بيروقراطية مملة وغير مبررة، ولكنهم أيضاً مستفيدون من التستر، وسيقاومون حملته بشراسة، خصوصاً أنه بدأ المعركة مستخدماً أقوى الأسلحة ضدهم، وهو التشهير في مجتمع قبلي يحسب حساباً لمثل هذه الحساسيات، ولكن الوزير حتى الآن يطبق النظام الذي اعتمدته أعلى جهة تشريعية وتنفيذية في المملكة.

إذاً هي مواجهة الربيعة الكبرى التي ستبدو حروبه السابقة بالمقارنة لها نزهة، فالتستر في السعودية، بل في كل دول الخليج متداخل مع ثقافة الإقطاع والنفوذ والسلطة، محاسبة المواطن البسيط الذي يتستر على عمل يدر عليه 5000 ريال شهرياً، ستجر إلى محاسبة الهامور الكبير الذي يتستر على عمل يدر الملايين.

فعزيز بن كرامة بن مبارك الحداد، المتستر على عوض الباني، ومحمد علوي اليمنيين، وأنولي محمد الهندي، الذين كانوا يديرون تحت غطاء اسمه وسجله التجاري، تجارة في «الساعات والمواد الغذائية وصيانة السيارات»، وتم تغريمه 45 ألف ريال، وشطب سجله وإبعاد غير السعوديين ونشر تشهير بذلك في صحيفتين على نفقته، وهو الإعلان الذي استقيت منه كل المعلومات السابقة، عزيز هذا لا بد أنه غاضب، وسيطالب الوزير بملاحقة فلان وعلان من كبار المتسترين.

لن يهمه حديث الوزير أو أي اقتصادي سعودي في ضرر التستر على المواطن، وعلى الاقتصاد الوطني، كيف سيفقد بسببه، وأبناؤه مهارات التجارة والإدارة، وأنه سيتكلس في هذه الوظيفة الطفيلية مشكلاً مع آلاف من نظائره اقتصاداً سعودياً غير طبيعي، وستكون معركة حامية الوطيس، فهؤلاء لن يستسلموا بسرعة، ذلك أنهم تعودوا على هذه التجارة منذ عقود حتى اعتقدوا أنها الأصل، وأنها باتت حقاً من حقوق المواطنة.

بدأ الوزير حربه من صالونات الحلاقة، والبقالات، ومتاجر قطع الغيار، وأدوات البناء، وغيرها من الأعمال الصغيرة والمتوسطة التي في مجموعها تشكل بلايين من الريالات والدراهم، ليس في السعودية بل في كل دول الخليج، فهذا الداء منتشر بيننا كما لو أنه من شروط الانتماء إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو أحد إنجازاته، ولكن شعور الاقتصاد السعودي بالألم أقوى وأمر، لكبر السوق ولعدد الشباب السعوديين الذين يطردهم، هذا اقتصاد التستر غير الطبيعي من السوق، ليس في شكل بطالة فقط، وإنما وهذا الأهم يحرمهم من اكتساب خبرة التجارة والأعمال، التي باتت تجيدها وتحتكرها عمالة وافدة لاحظ لها في جنسية فتبقى عابرة في اقتصاد عابر.

سيصرخ «عزيز بن كرامة»، ومن معه من صغار المتسترين، أنه من الظلم أن يحاسبهم، ويترك «التستر الأكبر» شركات المقاولات الكبرى، معارض المجوهرات الفاخرة، المصانع، وكالات الإعلان، سيرفعون برقيات إلى كبار المسؤولين، حينها، ومع تداخل السياسة بالاقتصاد والمصالح، يضحى أو يؤجل الإصلاح الواجب لأجل «المصلحة العليا»، فتنهار الحرب على التستر، ويترك هذا الداء ينخر ويشوه اقتصاد السعودية وبقية دول الخليج ببطء، ومن دون أن يره أحد، مثل العثة التي نخرت منسأة سيدنا سليمان، فانهار فيما الجن يعملون من حوله.

نتوهم أن اقتصادنا ناهض مزدهر، عندما يتجول «السيد المسؤول» في الليل يتفقد أحوال الرعية، يرى الأنوار المضيئة فوق الحوانيت الممتلئة بالزبائن، مواطنون يستهلكون أطعمة وسلعاً رخيصة بأسعار رخيصة، فترتسم على وجهه علامات الرضا قائلاً: الحمد لله الذي بارك في رزقنا، وأرخص أسواقنا وأرضى مواطنينا، ولكن خلال تلك الأثناء ثمة طبقة هائلة لا تنتمي إلى مواطني السيد المسؤول، لا يعرف عنهم الكثير، لا يعرف حتى لغتهم، يمارسون تجارة، يبنون اقتصاداً بليونياً، يحولون بلايين إلى الخارج، من دون حقوق وواجبات ولا تطلعات سياسية، ولكن هل سيكون كذلك؟

في هذه الأثناء، يتكلس مزيد من المواطنين، حتى الهوامير الكبار يفقدون تدريجياً مهارات التجارة وشطارتها، يملون من مراجعة الدفاتر والحسابات، يكتفون بما يلقيه لهم التاجر الأجنبي الماهر صاحب الخبرة والعلاقات، أما الشباب، فهؤلاء لن يفقدوا شيئاً، فهم أصلاً لم يدخلوا السوق، لم يتعلموا أية مهارات، إنهم مجرد أرقام وهمية بين موظفي التاجر الأجنبي، يقومون بالحد الأدنى من المهام فيكتسبون الحد الأدنى من الخبرات.

هؤلاء سيكونون مشكلة سياسية في المستقبل، والعمالة الوافدة التي باتت تشكل الغالبية في إحصاءات القوى العاملة في السعودية ودول الخليج سيكونون مشكلة في المستقبل، اليوم لا يطالبون بحقوق سياسية، فماذا عنهم بعد عقد أو عقدين؟ شهدنا كم تغيرت، بل إنهارت، منطقتنا خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، فما الذي سيحصل بعد عقد أو عقدين؟

الحرب على التستر تطبيق للنظام، وعلاج لتشوهات اقتصادية، ولكنها أيضاً قضية سياسية لا تقل خطراً عن «داعش».

(الحياة)