الهجوم على شارلي إبدو من صنع ترددنا

الهجوم على شارلي إبدو من صنع ترددنا

معظم الدول العربية التي تشارك في الجهود العسكرية والاستخبارتية والأمنية لمحاربة الارهاب المادي، لا تزال بشكل أو آخر خاضعة للإرهاب الفكري الذي فرخ آلة الإرهاب المسلحة وهيأ لها فرصة للنمو والتطور.

المصدر: تاج الدين عبد الحق

نخطيء كثيرا إذا نظرنا إلى الاعتداء على صحيفة شارلي ابدو الفرنسية ، على أنه حادث إرهابي معزول ، وأن من قام به يعبر عن فئة شاذة، ونخطيء أكثر إذا تبرأنا من المسؤولية المباشرة عما حدث، وجعلنا من دوافع تلك الفئة مبررا نتهرب به من استحقاقات تلك المسؤولية.

والمشاركة في مسيرة التنديد في باريس ، وتنظيم مسيرات، ووقفات احتجاج موازية لها في العواصم العربية ، لا يعني تبرئة الذمة من الجرم، وإخلاء المسؤولية عما وقع، وهي ليست دليلا على التخلص من دنس الإرهاب وآثامه.

الحادث ليس حادثا معزولا بالتأكيد، فهو استمرار لمسلسل طويل، لم تكن باريس إلا محطة من محطاته الكثيرة، وعلامة من علاماته العديدة. حادث باريس لا يمكن قياسه بعدد الذين قضوا فيه، ولا بالصدى الذي تركه داخل فرنسا وفي الخارج، ولا بتأثيره على وجود وحضور المسلمين في أوروبا والعالم ، بل بتداعياته المباشرة على علاقاتنا السياسية وصورتنا الإعلامية والثقافية.

عندما نشرت الصور المسيئة للرسول الكريم لأول مرة في الدنمارك، جعلنا من تلك الصور سببا لمواجهة حضارية، واعتبرنا نشرها نوعا من الحرب الصليبية على الإسلام والمسلمين، ولم يجرؤ أحد على التهوين من القيمة الفكرية والسياسية لتلك الرسوم، وتسابق الكثيرون للنفخ في تلك الأزمة لزيادة حدة النار التي أشعلتها تلك الرسوم، وتبارت أطراف في تأجيجها، أو استثمارها لابتزاز مواقف سياسية أو فكرية.

كثيرون وجدوا في المشاركة العربية في مظاهرة باريس المنددة بالاعتداء على الصحيفة الفرنسية نفاقا، ونوعا من ازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا الإرهاب الذي اكتوينا نحن به قبل غيرنا، وأصابنا بأضرار أكثر من تلك التي لحقت بالآخرين.

كثيرون أيضا وجدوا — وهم محقون– في مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غسلا له من آثام الإرهاب الذي يرتكبه بحق الفلسطينيين صباح مساء، وكثيرون وجدوا فيها استثمارا سياسيا لصالح إسرائيل، وشكلا من أشكال الاختراق الدبلوماسي على حساب العرب وعلى حساب قضيتهم العادلة.

كل هذا صحيح، وهناك ما هو أكثر، وهناك ما تحقق لإسرائيل فعلا، وهناك ما قد تجنيه لاحقا. لكن أي خيار كان أمام الدبلوماسية العربية في مواجهة الضرر الذي لحق بصورتهم وأضر بسمعتهم وشوه عقيدتهم الدينية وموروثهم الحضاري.

كان يمكن -وقد فعلنا- أن نحمل المسؤولية للسياسات الغربية التي لم تقترف الإثم بحق نبينا فحسب، بل كانت عونا وسندا، وأحيانا شريكا في كافة أشكال العدوان على البشر والحجر في أرضنا. وأن نعتبر ما حدث ردة فعل على عدوان وليس مبادأة به.

كان يمكن أن نكتفي بالتبرؤ، من الذين قاموا بالاعتداء على الصحيفة الفرنسية، وأن نتعامل مع الحادث تعاملا محايدا وكأننا غير معنيين به وليس لنا فيه ناقة أو جمل. وكان يمكن أن ننأى بأنفسنا عن تلك المظاهرة العالمية المنددة بالاعتداء، وأن نترك الساحة لأعدائنا يفسرون على هواهم مواقفنا، ويشرحون حسب رؤاهم سياساتنا.

هذه الخيارات بغض النظر عن جدواها وفعاليتها وصحتها، تم اختبارها، وامتحانها مرارا وتكرارا. ففي كل مرة تعرضت فيها الدول الغربية، لاعتداءات من جنس ما تعرضت له الصحيفة الفرنسية، كنا نتداعى بالاستنكار والتنديد، وكنا ندفع ثمن تلك الاعتداءات، من أمننا حينا ومن مواردنا أحيانا.

لكن يبدو أن مواقفنا من تلك الاعتداءات لا تزال غير مقنعة، وأنها لا تزال مخترقة من قبل جهات بيننا تنشط للتبرير والتفسير، بما يضر بصدقية مناهضتنا للإرهاب، وصدقية عملنا لإستئصاله.

فمعظم الدول العربية التي تشارك في الجهود العسكرية والاستخباراتية والأمنية لمحاربة الإرهاب المادي، لا تزال بشكل أو آخر خاضعة للإرهاب الفكري الذي فرخ آلة الإرهاب المسلحة وهيأ لها فرصة النمو والتطور.

ورغم أن الجميع يدرك أن النجاح في معركة الإرهاب لا يتأتى، إلا بالتخلص من الحواضن الفكرية التي نبتت وتترعرع فيها العناصر الإرهابية، فإن ما يتم على الصعيد العملي لا يزال محدودا، ولا يزال التردد والضعف سمته الأبرز.

ولعل التقرير الذي صدر مؤخرا، عن لجنة أكاديمية راجعت مناهج وأساليب التعليم في الأزهر الشريف – الذي يعد نموذجا للوسطية والاعتدال — مثال على أن معالجة الإرهاب الفكري لا تزال تتسم بالضعف والتردد ، وأن ما تراكم في بعض تلك المناهج من مغالطات وأخطاء فكرية، لا يزال شاهدا على مدى بعدنا عن المعالجة الحقيقية، التي تنقي عقيدتنا الإسلامية مما علق بها من تشوهات ومغالطات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com